حرصت اتفاقية الشراكة الاقتصادية الشاملة (سيبا) بين سلطنة عُمان وجمهورية الهند على الحفاظ على ضوابط التعمين وتعزيز فرص العمل للعمانيين من خلال تشجيع الاستثمارات النوعية التي توسع نشاط الشركات الوطنية وتوجد وظائف جديدة. هذا الجانب كان محل اهتمام كبير خلال المفاوضات، إذ تم التأكيد على أن الانفتاح التجاري لن يأتي على حساب القوى العاملة المحلية أو فرص التنمية المهنية للعمانيين، وإنما سيشكل محفزًا لتوسيع الاستثمارات ورفع مساهمة القطاع الخاص في الاقتصاد الوطني.
وبالتالي جاءت الاتفاقية لتؤكد أن الاقتصاد العُماني يسير بخطى مدروسة نحو الانفتاح على الأسواق العالمية، مع الحفاظ على مصالحه الوطنية واستدامة نموه الصناعي. الاتفاقية ليست مجرد اتفاقية تجارية، إنما هي إطار متكامل يحقق أهدافًا استراتيجية تمتد من دعم الصناعات الوطنية إلى جذب الاستثمارات النوعية وتعزيز دور السلطنة كمركز تجاري ولوجستي إقليمي.
أول ما يلفت الانتباه في هذه الاتفاقية هو حجم النفاذ الذي منحته سلطنة عُمان إلى السوق الهندي، والذي وصل إلى 97.4% من إجمالي السلع العُمانية، ما يمثل فرصة غير مسبوقة لتوسيع صادرات السلطنة، خصوصًا في الصناعات البتروكيماوية والمعادن والسلع الصناعية، بالإضافة إلى المواد الأساسية مثل البولي إيثيلين واليوريا. هذا النفاذ المتقدم يعكس استراتيجية واضحة لتعزيز التنافسية العُمانية في الأسواق الخارجية، وفتح آفاق جديدة أمام الشركات الوطنية. كما تتضمن الاتفاقية آليات واضحة لحماية الصناعات الوطنية، مع تدابير مكافحة الإغراق والوقاية من الممارسات التجارية غير العادلة، فضلاً عن تعزيز الأمن الغذائي والدوائي من خلال التعاون في الزراعة والصحة والتقنيات الحيوية، بما يضمن قدرة السلطنة على مواجهة التحديات العالمية وتحقيق تنويع مستدام لمصادر الدخل الوطني. على صعيد الاستثمارات، تعتبر الهند من أكبر عشر دول مستثمرة في سلطنة عُمان، بإجمالي استثمارات مباشرة بلغ 286 مليون ريال عُماني في الربع الأول من 2025، تشمل قطاعات استراتيجية كالحديد والصلب والأسمدة والطاقة النظيفة والصناعات البتروكيماوية. هذه الاستثمارات لا تدعم فقط سلاسل القيمة الصناعية، وإنما توفر فرص عمل مباشرة وغير مباشرة، وتعزز القدرة الإنتاجية الوطنية بما يخدم رؤية عُمان 2040 في بناء اقتصاد متنوع ومستدام. الاتفاقية أيضًا مثال على دور القطاع الخاص في صياغة السياسة الاقتصادية، إذ شاركت شركات صناعية كبرى في مراحل التفاوض لتقديم الخبرة الفنية ومقترحات تعكس واقع السوق المحلي، ما ساهم في بلورة اتفاقية تحقق التوازن بين المصالح الوطنية والإقليمية والدولية. كما أن الاتفاقية لم تتعارض مع الالتزامات الخليجية الموحدة، وهو مؤشر على وعي استراتيجي دقيق يوازن بين الانفتاح العالمي والحفاظ على مصالح الدول الشقيقة في مجلس التعاون.
في النهاية، فإن دخول الاتفاقية حيّز التنفيذ يفتح لسلطنة عُمان سوقًا هائلة تتجاوز قيمتها 17 تريليون دولار أمريكي ويصل عدد المستهلكين فيها إلى أكثر من 400 مليون نسمة، ما يعزز النمو الصناعي وزيادة الطاقة الإنتاجية، ويدعم موقع سلطنة عُمان كمركز تجاري ولوجستي عالمي يربط الشرق والغرب. هذه الاتفاقية ليست مجرد خطوة تجارية، إنما استثمار في المستقبل الاقتصادي للسلطنة، يعكس حكمة التخطيط واستراتيجية الانفتاح المدروس التي تراهن على الابتكار والقيمة المضافة، مع ضمان استدامة فرص العمل للعمانيين.
محمود بن سعيد العوفي
كاتب صحفي اقتصادي