هذا نَص قديم جدًّا، مقتطع من رواية مشهورة، ولا علاقة له بحدث اليوم البتة. للعِلم مقطع الفيديو مأخوذ من فيلم أميركي تمَّ عرضه قَبل سنوات طويلة، ولا صلة له بنظريَّة المؤامرة الَّتي يسعى مَن استقطعوه إلى تعزيزها وإثباتها وربطها بمستجدَّات حديثة لدوافع سياسيَّة وتضليليَّة بحتة. الخبر الَّذي أورده الموقع الإعلامي «...» لا يعدو كونه إشاعة وغير صحيح يستهدف تشويه صورة الدَّولة الَّتي يُشير إليها بالاسم، على ضوء الخلاف العميق الَّذي طرأ بَيْنَ البلدين «الشَّقيقين». الصورة الَّتي نزلتها في الحساب مفبركة وملعوب بها وليست حقيقيَّة. المعلومة الطبيَّة الَّتي يتمُّ تداولها لعلاج مرض السرطان لا أساس لها من الصحَّة، ولا يوجد مصدر طبِّي يُثبتها ويؤكِّدها، وهو نوع من التدليس قد يؤدِّي إلى مخاطر جسيمة على صحَّة الإنسان تَقُود إلى تدهور حالته. البيان السياسي الَّذي نُسِب إلى الحكومة أو الدَّولة أو الحزب أو الفصيل، بيان مكذوب ومختلق يسعى في إطار الصراع والتنافس بَيْنَ دول إقليميَّة؛ لإحداث المزيد من الفتنة والمزيد من الخلاف والانشقاق، ويتمُّ استثمار وسائل التواصل وتوظيف عاطفة المواطن من أجْلِ تحقيق سبق وانتصار سياسيَّيْنِ لا غير. القرار الموقَّع من قِبل المسؤول عن المؤسَّسة الحكوميَّة والَّذي ينتشر كالهشيم مصحوبًا بتعليق ساخر عن استهداف دخل المواطن مزوَّر ولا أساس له من الصحَّة. الفيديو الَّذي يظهر «انهيار المتحف المصري الكبير» غير صحيح فقد تمَّ التَّلاعب بالمشهد «رقميًّا» بواسطة الذَّكاء الاصطناعي. النَّص المتداول عن الشخصيَّة الدِّينيَّة تمَّت صياغته بما يُشوِّه سِيرته الطيِّبة وحياته المليئة بعمل الخير وخدمة الإنسانيَّة... مسلسل لا نهاية لأحداثه وحلقاته، صراع حثيث، معركة شرسة، حرب ضروس فضاؤها وسائل التواصل وتقنيَّاتها وبرامجها وأدواتها وحساباتها الخطيرة الَّتي تسعى إلى اختراق العقول وتقييد الإنسان وتشويش فكره وسلب حُريَّته والتدليس عليه، واستخدامه سلاحًا مدمرًا لتحقيقِ قائمة واسعة من الأهداف والمآرب، واستثمار عاطفته ومشاعره ونقمته وغضبه وفقره ومشاكله وإحباطاته وشهواته واهتزاز ثقته لتسهل قيادته وتوظيفه للدعاية للأفكار والثقافات وتحقيق مصالح الغير، وتصديق ما يُراد له أن يصدقَه ويسهم في الدعاية والترويج لهذا النظام أو البلد أو المنتج أو الفكر أو الاسم التجاري، والإضرار بمصالحه ومصالح وطنه ومُجتمعه بِدُونِ إرادة منه... وقد شاهدنا وتابعنا واطلعنا جميعًا على حجم الإشاعات والتأويلات والتفسيرات والآراء والأفكار والتشكيك المتواصل، الَّتي رافقت ظهور وانتشار وتفشِّي جائحة كورونا «كوفيد19»، وما قيل من أنَّها نتاج مؤامرة حكومات ودول وقوى وأجهزة مخابرات، ولُعبة سياسيَّة «تستهدفنا»، ومؤامرة حقيرة تسعى لتدمير البُلدان الصغيرة والفقيرة، وكأنَّ حكومتنا ووزارة الصحَّة في بلادنا وأطبَّاءنا وكادرنا الصحِّي، الَّذين بلغ بعضهم العالميَّة في البراعة والكفاءة والنَّجاح، سذَّج يقعون في فخِّ مؤامرة، وهي ذاتها الإشاعات الَّتي صاحبتْ بعد ذلك عمليَّة اللّقاحات والتطعيمات الَّتي أُسندت ـ في محاولات يائسة ـ إلى نصوص وشهادات ومقاطع، منها الكاذب المنسوب إلى علماء لم يقولوه ولم يصرحوا به، أو مقتطعة من روايات وأفلام وتجارب وغير ذلك. ومن المؤسف أنَّ مَن يروِّج لذلك هم نشطاء ومروِّجون ودعاة ومضلِّلون لَهُم غايات كبيرة سياسيَّة واقتصاديَّة، وأتباع لمناهج وأفكار ومنظَّمات ومافيات، يثق فيهم ويؤمن بما يقولونه بسطاء الناس من غير العلماء والخبراء والباحثين والمتخصصين في الشأن الَّذي يخوضون فيه، ومَن يصدقه ـ للأسف الشديد ـ قِطاع عريض منَّا، اِلْتَبَس عليهم الأمر، فآمنوا ووثقوا بشر اعتقدوه خيرًا لهم. هذا هو المشهد المُحزن يتجلى واقعًا، أسَّس له إعلام التواصل الإلكتروني، ويمرِّره على المُجتمعات في كُلِّ حدَث وخبر وقرار وتصريح ورؤية ومشروع صغر أم كبر، محليًّا كان أم إقليميًّا أو عالميًّا، لا فرق في ذلك. فتقنيَّة المعلومات وأجهزة الاتصال فرضت واقعها على البشريَّة، ودخلت بكُلِّ ثقة وقوَّة إلى القلوب والبيوت وغرف النوم، وكُلُّ ما يحدُث ويَدُور في أيِّ بقعة في العالم ينتقل مباشرة في المقابل إلى كُلِّ جزء منه، فيخضعه الجميع للتأويل والحوار والبحث والنقاش والتحليل، المتخصص منهم أو مَن ليس له علاقة ولا صلة، الجاهل والعالِم، الطِّفل والشَّاب والشَّيخ، الرجُل والمرأة على السَّواء، وكُلُّ مَن يمتلك حسابًا واشتراكًا يشارك ويتابع ويجادل لتأكيد الخطأ والبرهنة عليه، وينكر ما هو صائب وحقيقة، ويتأثر ويدلو بدلوه وينقل ما سمعه وتأثَّر به إلى غيره في سلسلة لا تنتهي فيتدفق سَيل الإشاعات وأمواجه العاتية لِتغرقَ القلوب والعقول الَّتي تتيه في أنفاقه المعتمة. وتتحول الحوارات والتحليلات والآراء والاختلافات في الرأي إلى عصبيَّات وخصومات وحروب شعواء وشتائم وتجاوزات أخلاقيَّة وتطاول على الآخرين وتدخل في شؤونهم، وانتهاك لأعراضهم وحرماتهم، والوقوع في المزالق والشراك... وهي ثقافة صنعتها وسائل التواصل دون شك، وعمَّقتها تقنيَّاتها وبرامجها المتطورة باستمرار وإدمان الإنسان عليها، والقادم أخطر مع دخول الذَّكاء الاصطناعي إلى المشهد. ولمعالجة هذه الإشكالات والمظاهر الخطيرة ومواجهة الانعكاسات الضارَّة الَّتي تسببت فيها ثورة الاتصالات ووسائل التواصل وتقنيَّاتها وبرامجها المستحدثة والمتطورة، نحتاج إلى تخصيص جزء من مناهجنا الدراسيَّة، لتناول ثقافة التعامل مع وسائل التواصل، وبرامجها... وكيفيَّة استثمارها في تعميق المعرفة وتحقيق التقدُّم، والتزوُّد بالمهارات وحقول العِلم وتخصُّصاته المختلفة، والاستفادة ممَّا يحدُث في العالم من تطوُّرات وثورات علميَّة وتقنيَّة ومعلوماتيَّة وسياسيَّة وأدبيَّة، والتفقُّه في آداب الحوار وكيفيَّة التعامل مع الآخر واحترام آرائه وملاحظاته وإن تعارضت واختلفت معنا، والتعود على ممارسة النَّقد وتقبُّله بلُغة هادئة وأُسلوب إنساني راقٍ، والإسهام في نشر ثقافة السلام والتسامح والتعايش والتقبل والاستيعاب، والتيقُّن والتثبت قَبل طرح الرأي وتوجيه الاتهام، وتعميق الوعي كذلك والفَهْم والإلمام بأنَّ المشارك في وسائل التواصل وبرامجه وحساباته المتنوعة، عرضة للاستهداف والاستثمار والتَّوجيه لِيصبحَ أداةً وسلاحًا يستخدمه ويوجِّهه الآخرون لتحقيقِ مآربهم وغاياتهم وتسييره لِيصبحَ عدوًّا لوطنه وأُمَّته ومعتقده وقِيَمه وتاريخه وللحقِّ والحقيقة... كما يتطلب الأمر تهيئة وتدريب خطباء المساجد لتوعية ملايين المُصلِّين من المُسلِمِين في أنحاء العالم بمخاطر وسيئات إعلام التواصل من جهة، ومنافعه وحسناته من جانب آخر، وكيفيَّة استثمار الأخير أفضل استثمار، والوقاية والوعي بالأول وما قد يُحدثه من ضرر عميق على الإنسان، فـ»في صفحة أكس»، كما قال أحد المغرِّدين، «علينا أن نحذر التعليقات على ما ينشر، فمِنهم مَن لا يفرِّق بَيْنَ النَّقد والانتقاد، ومِنهم مَن لا يفرِّق بَيْنَ الإضافة الوازنة فكريًّا وبَيْنَ تخطئة القول، ومِنهم مَن يعشق المديح الَّذي يطرب وجدانهم ويجعلهم في سماء المعرفة، الفكر بحر واللُّغة بلاغة وكُلّ بمداركه يعرف...» .
سعود بن علي الحارثي