الخميس 02 أبريل 2026 م - 14 شوال 1447 هـ
أخبار عاجلة

من الاستشراق إلى «الاستعراق» عبر الاستعراب: قصة ولادة اصطلاح «1»

من الاستشراق إلى «الاستعراق» عبر الاستعراب: قصة ولادة اصطلاح «1»
الأحد - 14 ديسمبر 2025 08:23 ص

أ.د. محمد الدعمي

10


تُعَدُّ عمليَّة ابتكار الاصطلاح الجديد وسكه ثم إشاعته واحدة من أكثر الأفعال العلميَّة والأكاديميَّة صعوبة، نظرًا إلى أنَّها عمليَّة محفوفة بمخاطر عدم الدقَّة، زيادة على تعقيدات قَبول المصطلح واعتماده في الدوائر الجامعيَّة والمؤسَّسات الثقافيَّة على نَحْوٍ عام. لهذا السَّبب تشيع اليوم العديد من المصطلحات المبتكرة في عالم العلوم والثقافة ووسائل الإعلام. وعلى الرَّغم من أنَّ بعض هذه الاصطلاحات لم تلقَ ما يكفي من القَبول والشيوع العلمي كَيْ تدرج في القواميس والمعاجم والموسوعات العلميَّة الرصينة. بَيْدَ أنَّ للمرء أن يجتهد ليبتكره البعض منها، وذلك حسب المعطيات الحاضرة ذات الأبعاد التاريخيَّة، وبناء على الحاجات الفكريَّة والعلميَّة الَّتي قد تستقبل المصطلح كأداة لتسهيل أنشطة التفكير والتعاطي العلمي والتفاعل الفنِّي مع موضوعات عالميَّة الثقافة والعلوم.

لذا فإنَّ مصطلح «الاستعراق» Mesopotamianisms) يبدو اليوم لفظًا مناسبًا ومقبولًا (كما سنرى)، إذ يُمكِن اعتماده بقدر تعلُّق الأمر بموازاته لمصطلحات من نوع الاستشراق (Orientalian) والاستعراب (Arabism)، باعتبار أنَّ «الاستعراق» من تفرُّعات الاستشراق وتشعبًا عن الاستعراب، بقدر تعلُّق الأمر بالاهتمام الغربي بـ»العراقيَّات» أو «الرافدينيَّات»، أو بالموضوعات الرافدينيَّة عامَّة، ماضيًا وحاضرًا.

لذا يُمكِن للمرء أن يطلق لنفسه حُريَّة طرح مصطلح الاستعراق والمستعرقين أو (Mesopotamianists) كتفرع من نظام علمي وثقافي تراكمي يمتدُّ إلى العصر الوسيط من ناحية، ويزدهر في عصرنا الراهن على نَحْوٍ لم يسبق له مثيل بسبب انزلاق بؤرة الاهتمام الغربي بالعراق، بتركيز عالٍ للغاية، على العراق: إنسانه، وأرضه وتاريخه ومُجتمعه وثرواته، علمًا أنَّه يترك للمتخصصين والمهتمين أمر قَبول المصطلح الجديد أو قَبوله نسبيًّا، بل وحتَّى رفضه، بَيْدَ أنَّ للمرء ما يكفي من المبررات للتعامل مع هذا الموضوع بشيء من الجديَّة: بعض هذه المبرِّرات تاريخي، وبعضها الآخر معاصر.

من منظور تاريخي، للمرء أن يلاحظ أنَّ الاهتمام الأوروبي بأرض الرافدين (العراق) يُمكِن تتبعه إلى العصور الإغريقيَّة والرومانيَّة القديمة، أي قَبل ظهور المسيحيَّة، حيثُ كانت أرض الرافدين معتركًا أساسيًّا في التنافس الكوني آنذاك بَيْنَ الإمبراطوريَّات الشرقيَّة القديمة (وبخاصَّة الفارسيَّة) وبَيْنَ الإمبراطوريَّات الأوروبيَّة القديمة، الإغريق والرومان، الأمر الَّذي يبرِّر الصراع الأوروبي من أجْلِ وادي الرافدين الغني، الأمر الَّذي مهَّد طريق إلى السيطرة عليه والإفادة من ثرواته. وقد تجلَّت هذه الحال مع احتلال الإسكندر الكبير لأرض بابل، ثم إحالتها للإدارة من قِبل واحد من كبار جنرالاته. بَيْدَ أنَّ الاهتمام الفكري والدِّيني الغربي بالعراق يعود كذلك إلى ظهور التقليد الدِّيني اليهودي المسيحي (Judaio Christian) الَّذي عدَّ هذه البلاد، أرض السواد، جزءًا لا يتجزأ من مسرح قصص نزول الأديان السماويَّة، الأمر الَّذي برَّر اعتباره من بقاع أراضي الكتاب المقدَّس (Bible Lands) وهي الأراضي الممتدَّة من أرض أور (Ur) حيثُ ولد سيِّدنا إبراهيم غربًا إلى شواطئ البحر المتوسط، بَيْنَ فلسطين ومصر. لهذا السَّبب تَعُود الإشارات الفكريَّة لـ«جَنَّة عدن الرافدينيَّة إلى بواكير أدبيَّات القرون الوسطى في أوروبا، إذ تكثر الإشارات الأدبيَّة والثقافيَّة إلى هذه «الجَنَّة»، ليس فقط في القصائد والكتابات النثريَّة الأوروبيَّة، بل كذلك في الخرائط القديمة الَّتي تستمكن جَنَّة عدن في إقليم ما جنوب وادي الرافدين، مكرّسة مع ما ذكر من شبكات الأنهار الغزيرة والنخيل والوحوش الَّتي كانت تجوب الأرض آنذاك، بعنوان (The Mesopotamian Garden) . هناك اليوم ثمَّة شجرة مسيَّجة بالقرب من مدينة الفاو جنوب العراق، يعتقد العوام بأنَّها هي شجرة آدم، بحسب الشائع من التقاليد الشفاهيَّة المحليَّة.

لقد تواصل الاهتمام الغربي بالعراق عَبْرَ الحقب التالية، أعني عَبْرَ عصرَي الأنوار والنهضة وسواهما، كَيْ يتبلور ذلك في الاهتمامين الدِّينيين، اليهودي والمسيحي بهذه الأرض، خصوصًا بقدر تعلُّق الأمر بقصَّة السبي البابلي (بالنسبة إلى اليهود) حيثُ كان مستقر يهود السبي في أرض بابل، ناهيك عن أهم الآثار في عصر تدوين أنبياء بني «إسرائيل» وأخبارهم في تاريخ العبريين وكتاباتهم المقدَّسة على شواطئ دجلة والفرات. لاحظ شيوع أغنية شعبيَّة من العقود الأخيرة من القرن الماضي تشير إلى هذا الجزء من تاريخ العبريين بعنوان. (On the Rivers of Babylon) وقد بقي اليهود في جميع أرجاء العالم، وبخاصَّة الأوروبيون منهم، إذ يرومون زيارة الأماكن المقدَّسة وقبور الأنبياء والأحبار المدفونين في العراق، كما هي عليه الحال مع قبر وكنيس ذي الكفل الموجود على مقربة من مدينة النجف الأشرف على الفرات الأوسط، ولم تزل بعض ممتلكات ومقابر اليهود العراقيين موجودة هناك، كما هي موجودة في بقيَّة المُدن العراقيَّة الرئيسة كبغداد والبصرة.

هذا التشوق الغربي لأرض الرافدين ولرائحة التاريخ الدِّيني والقصص التوراتي أخذ يستقطب عقولًا ذكيَّة عديدة، حيثُ ركَّز التشوق إلى هذا الإقليم بشكلٍ يفوق تركيزها على سواه من الأقاليم، الأمر الَّذي برَّر أدب الارتحال الأوروبي المبكر إلى العراق، وهو أدب وصفي مشحون بالمشاعر والعواطف الدِّينيَّة، ثم ما لبثَ هؤلاء المرتحلون أن استحالوا إلى منقِّبين آثاريين من النوع الدِّيني الباحث عن أقْدَم الوثائق والمخطوطات والبقايا واللقى الأثريَّة ذات المغزى الدِّيني أو التاريخي، وهكذا بدأت أولى ملامح يقظة الاهتمام بالشرق في العراق، وليس في غيره من البلدان، وهي اليقظة الَّتي أطلق عليها الباحث الأوروبي الكبير ريمون شوا (Raymond Schwab) تسمية النهضة الاستشراقيَّة» (Oriental Renaissance) حيثُ بدأت قصَّة الاهتمام الأوروبي المبكر بالارتحال إلى أرض الرافدين وبالتنقيب في تربتها بحثًا عمَّا يؤيد القصص الإنجيلي وقصَّة التلمود البابلي، لذا، فقد ظهر أوائل الرحالة الأوروبيين في العراق، استثناء من جميع أقاليم الشرق الأخرى، إذ جاء رجال مغامرون ليعملوا في العراق منقِّبين في مواقع بقايا أقْدَم الحضارات في التاريخ، كالبابليَّة والآشوريَّة والكلديَّة والسومريَّة والأكديَّة، من بَيْنِ حضارات قديمة أخرى ظهرت وازدهرت هناك ثم تلاشت واختفت تحت التراب. لنلاحظَ كذلك سبب عسكرة القوَّات الأميركيَّة بالقرب من آثار بابل بعد الغزو الأميركي للعراق!

أ.د. محمد الدعمي

كاتب وباحث أكاديمي عراقي