خامسًا: خلاصات ونتائج:
• ما يعكر صفو المشهد في جنوب إفريقيا المحتشد بجَمال الألوان وانسجام الأشكال وتناسقها وتوهجها والنظافة العالية المريحة، مُدن الصفيح الَّتي تمتدُّ لعدَّة كيلومترات بعيدًا عن مراكز المُدن الرئيسة، تشي بفترة الاستعباد والهيمنة ورضوخ الشَّعب للقلَّة الحاكمة من البِيض بقايا الاستعمار، الَّتي لا تزال تمتلك القوَّة والمال والإقطاعيَّات الضخمة والنفوذ والهيمنة، فيما يعاني السُّود من الفقر المُدقع والتهميش والرضوخ وانعدام المساواة وضعف الدخول ونُمو البطالة...
• فما زالت الأعمال والمِهن والوظائف الخدميَّة والهامشيَّة المتواضعة تتولاها الأغلبيَّة الساحقة من «الأفارقة» المهمشين أصحاب البلاد الحقيقيين، ففي المحالِّ التجاريَّة والأسواق والمطاعم والمقاهي وعمليَّات التنظيف وما شابهها يشتغل فيها «السُّود»، وقلَّما يرى الزائر لجنوب إفريقيا من يعمل في هذه الأعمال من القلَّة البيضاء، الَّذين يمتلكون الأراضي والتجارة وقِطاعات الأعمال والمال والشركات، وهم المهيمنون على المقاعد والغرف وتلقِّي الخدمات والاستفادة منها، في المطاعم والمقاهي والفنادق ومواقع الاستجمام الفاخرة، تأكيدًا على أنَّ الأفارقة السُّود في هذا البلد لا يملكون المال، فَهُم فقط في موقع تقديم الخدمة وليس الاستفادة منها، ويتقبلون بفرح ومنَّة وتقدير أيَّ صدقة تُقدَّم لهم ولو كانت قطعة بسكويت أو كيس تمر صغير الحجم..
• يتمتع سكَّان جنوب إفريقيا بالودِّ والاحترام والروح الإنسانيَّة المتقدة في تعاملهم مع ضيوف بلادهم، ويمتلكون الوعي بِدَوْر وأهميَّة السياحة في تنمية دخولهم المتواضعة أصلًا، ولدَيْهم الحرص في المحافظة على البنية الأساسيَّة ومكتسبات الوطن، وإن كانوا لا يزالون يعيشون على الهامش، فالابتسامة لا تفارق محيَّاهم، ونظرتهم إلى الحياة تعتمد على قاعدة أنها تستحق أن تعاش بتفاؤل ومَحبَّة، ونفس مرحة مشبعة بالود والأمل الفسيح مهما كانت الظروف....
• الأمن في جنوب إفريقيا مريح للسائح يشعره بالطمأنينة والاستقرار النفسي والأريحيَّة في التحرك ليلًا ونهارًا بدون أن يعكر مزاجه معكر، والنظافة عالية جدًّا، يشرف عليها عمَّال أمناء مخلصون في عملهم فلا يرى المتجول في أنحاء البلاد أيَّ ورقة أو قذارة أو أثر لعقب سجائر مدخن، أو رائحة كريهة، ودورات المياه العامَّة أو الَّتي توفرها المقاهي والمطاعم والأسواق تخضع للرقابة والتنظيف المتواصل دون كلَلٍ وملَل، وتوضع فيها أوعية الصابون والمنظفات والمعطرات بأنواعها، وممارسات التسوُّل قليلة رغم الفقر الشديد، وأساليب الاستغلال معدومة والأسعار في الأسواق محدَّدة لا مجال فيها للتلاعب...
• البنية الأساسيَّة تمتاز بالجودة والراحة والانسيابيَّة، فالشوارع واسعة والكثير منها يخضع حاليًّا للمزيد من التوسعة والصيانة أو إنشاء أخرى بديلة، والازدحام شِبه معدوم، والأسعار متوسطة، ليست فاحشة الغلاء، ولم تكُنْ وفقًا لتقييمنا رخيصة كذلك، قد تكون أقرب إلى قدرات ومستويات الأغنياء، وليس إلى متوسطي الدخل والفقراء، أمَّا الأسواق الشَّعبيَّة والمولات الفخمة فنشطة بالحركة مزدحمة بالمتسوقين، توفِّر لزبائنها كُلَّ ما يحتاجونه من بضائع وسلع ومنتجات محليَّة وعالميَّة، فيجد السائح الكثير من الخيارات والمعروضات والمشغولات الَّتي تضخها إلى السوق المصانع والورش والمهن الَّتي تبدعها وتبرع في صناعتها يد المواطن في جنوب إفريقيا..
• تنتشر المساجد المتواضعة في الجادات والأحياء السكنيَّة الَّتي يوجد فيها مسلمون، مع العلم أنَّ جلَّهم من أصول آسيويَّة أو إفريقيَّة مثل الصومال على سبيل المثال، أغلبهم تم ترحيلهم مع الاستعمارَيْنِ الهولندي والبريطاني للاستعانة بهم عمالًا وحرفيين وأصحاب مهن مختلفة، وبعضهم هاجروا مؤخرًا بحثًا عن العمل والاستقرار، وفي أحد هذه المساجد التقينا بإمامه «محمد أمين»، وهو من أصول ماليزيَّة، وزوجته من أصول عُمانيَّة، هاجر جدُّها الأكبر إلى ماليزيا بحثًا عن عمل وتزوج هناك، وحدث التعارف والتواصل بَيْنَها وبَيْنَ أُسرة جدها هذا قريبًا. يحدثنا «محمد أمين» بأنَّ أربع عشرة عائلة مسلمة من أصول ماليزيَّة وباكستانيَّة وهنديَّة وصوماليَّة تسكن في هذا الحي، وتم بناء المسجد بأموال تبرَّع بها مسلمون من جنوب إفريقيا وخارجها وبعضهم عُمانيون....
• انتشار المساجد في أديس أبابا، وضخامة بعضها وعلو مناراتها، وتردد صوت الأذان وخطب الجمعة من أحياء المدينة، تستجيب لها الأفئدة شعورًا بالسكينة والسلام الداخلي والبهجة، فهي تشير إلى وجود نسبة عالية من المسلمين في إثيوبيا، تقدَّر بحوالي (36%) إلى (40%) من عدد السكان، والإسلام كديانة يأتي في المرتبة الثانية، ولا توجد أرقام دقيقة لعددهم في أديس أبابا... وكما للأغنياء أحياؤهم الراقية الَّتي تعلن عن الرخاء وجودة الخدمات والمساحات المخصصة للجنائن والمماشي والتشجير واللوحات الجَماليَّة، فللفقراء شطر واسع من المدينة معبأ بأحياء الصفيح والعشوائيَّات والبيوت الهشَّة والطُّرق الترابيَّة والمساحات القذرة وتفيض بالمعوزين والعاطلين والفقراء والمتسولين الَّذين قسَتْ عليهم الحياة والبشر بألوان من العذاب والمرارة والضغط النفسي والحرمان من أبسط متطلبات العيش... وبرغم التطور الواسع وحركة التنمية النشطة، ونُمو عدد الأبراج والبنايات العالية وضخامة وجَمال العمارة... إلَّا أنَّ الشريحة الضخمة من الفقراء لم تحصل على نصيبها من الرخاء والازدهار الَّذي تنعم بهما الفئة القليلة من الإثيوبيين.
• التحدي الوحيد الَّذي يواجه العُمانيين سياحًا وزائرين إلى جنوب إفريقيا «التأشيرات»؛ بسبب ما تتطلبه من تفاصيل دقيقة ومتشعبة، مرهقة وحسَّاسة، ولأنَّه لا توجد سفارة لها في مسقط، فيتم تقديم طلب الحصول عليها إلكترونيًّا، ومع غياب كُلِّ أشكال التواصل المباشر مع الجهة في «جوهانسبرج»، سواء بالاتصال الهاتفي أو برامج الواتساب للتفاهم والاستيضاح والنقاش والمراجعة عندما ترفض التأشيرة لأتفه الأسباب، يتم إعادة الطلب ودفع التكلفة من جديد، وقد يحدث أن ترفض المعاملة لأكثر من مرَّة وليس لدى مقدِّم الطلب من حيلة إلَّا إعادتها وتحمُّل إهدار الوقت والمال.. وهنا تقع المسؤوليَّة على وزارة الخارجيَّة لمعالجة هذا الإشكال الَّذي يشتكي منه الكثيرون عند زيارتهم إلى جنوب إفريقيا...
سعود بن علي الحارثي