بعد بداية القرن الحادي والعشرين، أخذتْ دوَل أوروبا الوسطى والغربيَّة تواجه تحوُّلات جيوسياسيَّة معقَّدة، كان أبرزها عودة ما يُطلق عليه «الدُّب الرُّوسي»، تهكمًا، روسيا الاتحاديَّة كفاعل دولي قادر على إعادة صياغة موازين القوَّة في القارَّة وفي العالم. هذا التَّعاظم الرُّوسي لم يأتِ من فراغ فجأة، بل ظهر كمحصِّلة مسار طويل من إعادة موسكو بناء النُّفوذ السِّياسي والعسكري والاقتصادي، الأمر الَّذي جعل الدوَل الأوروبيَّة الغربيَّة تُعِيد حساباتها تجاه الجار الشَّرقي العملاق الَّذي لم يغِبْ يومًا عن المشهد السِّياسي والعسكري.
والحقُّ، فإنَّ أوروبا الغربيَّة تحافظ على ذاكرة طويلة من المنافسة مع روسيا، منافسة كانت قد بدأت منذُ عهد الإمبراطوريَّات، مرورًا بالحرب العالميَّة الأُولى والثَّانية، ثمَّ الحرب الباردة الَّتي قسمتِ القارَّة بَيْنَ معسكريْنِ متضادَّينِ. ومع أنَّ انهيار الاتِّحاد السوفيتي السَّابق قد شكَّل لحظة ارتياح للدوَل الغربيَّة، إلَّا أنَّ عودة روسيا بقيادة جديدة تحمل طموحات قوميَّة جديدة واسعة، فإنَّ الماضي بدا يَعُود وكأنَّه لم يغِبْ. إنَّ أوروبا تخشى من أن تكرِّسَ روسيا رؤية سياسيَّة تَقُوم على ملء الفراغ الجيوسياسي الَّذي تركته الولايات المُتَّحدة في مناطق عديدة، خصوصًا عَبْرَ أوروبا الشَّرقيَّة والشَّرق الأوسط.
إنَّه ليس من قبيل الأسرار أنَّ القوَّات المُسلَّحة الروسيَّة، بترسانتها النَّوويَّة وتطوُّرها التِّقني والاستراتيجي، راحت تُشكِّل مصدر قلق جوهري ومباشرًا لأوروبا الغربيَّة، خصوصًا بعد الحرب في أوكرانيا. ومن ناحية أخرى، تتشابك المسألة العسكريَّة مع مسألة الطَّاقة؛ إذ إنَّ روسيا تُعَدُّ أحَد أكبر مصدِّري الغاز الطَّبيعي إلى القارَّة الأوروبيَّة. لذا يُحافظ الكرملين على ضغط اقتصادي لا يُمكِن تجاهله. بل وخلال الأعوام الأخيرة، كُلَّما توتَّرت العلاقات بَيْنَ الطَّرفينِ، أخذتْ أوروبا تشعر بأعباء اعتمادها على الغاز الرُّوسي كُلَّما توتَّرت العلاقات مع روسيا، الأمر الَّذي كان يدفعها دائمًا إلى البحث عن بدائل حتَّى وإن كانت أكثر تكلفة، ولكنَّها أقلّ خطورة.
لذا، ترى أوروبا الغربيَّة أنَّ تعاظم نفوذ روسيا وتوغُّلها العسكري في محيطها الاستراتيجي إنَّما يُشكِّل تهديدًا مباشرًا، ذلك أنَّ الدوَل الَّتي كانت جزءًا من منظومة الاتِّحاد السوفيتي السَّابق، الاشتراكيَّة أو تلك الَّتي تعتمد على روسيا اقتصاديًّا وأمنيًّا، غدَتْ أشْبَه ما تكُونُ بساحة تنافس بَيْنَ موسكو (روسيا) وبروكسل (أوروبا). ولذا تسعى أوروبا اليوم جاهدةً لحماية حدودها الشَّرقيَّة عَبْرَ توسيع الاتِّحاد الأوروبي وحلف النَّاتو، بَيْنَما هي ترى أنَّ هذه الخطوات وما شاكلَها هي محاولة لحصارها جيوسياسيًّا. وبذلك يتحوَّل المجال الحيوي المُحيط بها إلى أداة شدٍّ وجذبٍ خطرة غير قابل للتَّسوية بسهولة.
والحقُّ، فإنَّ اختلاف الطَّرفينِ يتجسَّد في مفهومهما للنِّظام الدّولي وللهُوِيَّة السِّياسيَّة: فبَيْنَما تروِّج أوروبا الغربيَّة لنموذج ليبرالي قائم على الديمقراطيَّة وحقوق الإنسان والعولمة الاقتصاديَّة، تروِّج روسيا، من ناحية ثانية لنموذجٍ يَقُوم على الهُوِيَّة القوميَّة والاستقلاليَّة السِّياديَّة يعتمد على زيادة على رفض الهيمنة الغربيَّة، والأميركيَّة بخاصَّة. هذا الاختلاف هو ليس مجرَّد فلسفة سياسيَّة، بل هو اختلاف يتحول إلى أدوات تأثير داخل أوروبا نفْسها، حيثُ تتنامى الحركات اليمينيَّة والشَّعبويَّة الَّتي تجدُ في روسيا نموذجًا مضادًّا لليبراليَّة الغربيَّة، الأمر الَّذي يُثير قلق الاتِّحاد الأوروبي.
ولذا، يبدو موقف أوروبا الغربيَّة من قوَّة روسيا مركَّبًا بَيْنَ شعوريْنِ سلبيَّينِ متناقضَيْنِ: الخوف من نفوذ روسي منفلت، بمعنى غير قابل للضَّبط، من ناحية، وشعور الحاجة إلى شريك لا يُمكِن الاستغناء عنه، ذلك أنَّ روسيا ليست مجرَّد دَولة منافِسة، بل هي لاعب لا يُمكِن تجاهله في ملفَّات الأمن والطَّاقة والسِّياسة الدوليَّة. من هنا، يصبح التَّعامل مع روسيا ضرورة استراتيجيَّة بغضِّ النَّظر عن مستوى التَّوتُّر، صعودًا ونزولًا. وعلى الرَّغم من أنَّ صراع المصالح بَيْنَ الجانبَيْنِ يُمكِن أن يستمرَّ، إلَّا أنَّ حقائق الجغرافيا يحكمهما الجوار الجغرافي لا يُمكِن تغييره، بل ويجبرها على البحث عن توازن دقيق بَيْنَ التَّعاون والقدرة على الرَّدع، أي بَيْنَ الطَّرفينِ: بَيْنَ إدامة الحوار وبَيْنَ الضَّغط، في سياق معادلة معقَّدة ستظلُّ ترسم مستقبل القارَّة العجوز طوال عقود طويلة قادمة تلوح في المستقبل.
أ.د. محمد الدعمي
كاتب وباحث أكاديمي عراقي