الخميس 02 أبريل 2026 م - 14 شوال 1447 هـ
أخبار عاجلة

أضواء كاشفة : الأعراس الجماعية نموذج عظيم للتكافل الاجتماعي

أضواء كاشفة : الأعراس الجماعية نموذج عظيم للتكافل الاجتماعي
الثلاثاء - 09 ديسمبر 2025 09:32 ص

ناصر بن سالم اليحمدي

300

تُعدُّ سلطنة عُمان أيقونة التَّكافل الاجتماعي ورائدة المبادرات الإنسانيَّة الَّتي تضع مصلحة الإنسان في المقام الأوَّل، وتُحقق له راحة البال والاستقرار والطُّمأنينة والَّتي تؤدِّي بِدَوْرها لتحقيقِ التَّنمية الاجتماعيَّة ونهضة البلاد.. ومن مظاهر التَّكافل الاجتماعي الَّتي يتميَّز بها المُجتمع العُماني إقامة الأعراس الجماعيَّة الَّتي تعكس التَّآلف المُجتمعي، وتجسِّد حرص الدَّولة على تحقيق الاستقرار الأُسري إيمانًا منها بأنَّ صلاح الأُسرة وأمانها واستقرارها هو صلاح للمُجتمع بأسْره انطلاقًا من أنَّ الأُسرة هي اللبنة الأساسيَّة لأيِّ مُجتمع.

وشهريًّا تقريبًا يقام عرس جماعي في إحدى محافظات سلطنة عُمان لتزويج الشَّباب ولمِّ شمل الأُسر، وآخرها احتفاليَّة ولاية بديَّة، وكذلك ولاية قريات، بالعرس الجماعي الأوَّل ضِمن مبادرة «لتسكنوا» بمشاركة (112) عريسًا من أبناء ولاية قريات.. والاحتفاليَّة الضَّخمة أو العرس الكبير الَّذي شكَّل لفتةً إنسانيَّة عظيمة والَّذي أُقِيم بولاية بركاء في جامع علي حسن بمشاركة (210) عرسان ليس من داخل السَّلطنة فقط، بل من خارجها أيضًا بعددٍ من الدول الشَّقيقة والصَّديقة، منها اليمن ومصر والهند وباكستان وبنجلاديش والَّذي حضره أكثر من (20) ألف مدعوٍّ من المواطنين الَّذين توافدوا من كافَّة ولايات سلطنة عُمان والضيوف، وهو ما يُعَدُّ تظاهرة وطنيَّة تضع اسم السَّلطنة على رأس قائمة الدول الرَّاعية للتَّكافل الاجتماعي والتَّلاحم الأُسري.

لا شكَّ أنَّ مثل هذه المبادرات الإنسانيَّة تُسهم بشكلٍ كبير في تيسير الزواج أمام الشَّباب في ظلِّ الظُّروف الاقتصاديَّة الصَّعبة، وارتفاع تكاليف الزواج ومغالاة بعض الأُسر في المهور رغم انخفاض رواتب الشَّباب الَّذين يخرجون عادة من حفل الزَّفاف مثقلين بالدُّيون والقروض؛ لأنَّ بعضهم يكلفها أكثر من مئة ألف ريـال من أجْل إمتاع الحاضرين.. من هنا أصبحت الأعراس الجماعيَّة هي طوق النَّجاة لبعض مَن يسعى إلى الاستقرار وتكوين أُسرة.

إنَّ الأعراس الجماعيَّة، بالإضافة إلى أنَّها تُسهم في تقليل تكاليف الزواج بالنَّسبة للشَّباب، تعمل على إشاعة روح المَودَّة والمَحبَّة بَيْنَ الأزواج جميعًا وذويهم ومعازيمهم ممَّا يُحقق الهدف منها، وهو تعزيز روح المَحبَّة والتَّعاون والتَّكافل بَيْنَ أفراد المُجتمع.. وفي عرس بركاء الضَّخم لم يقتصرِ الأمر على أفراد المُجتمع العُماني، بل شمل أيضًا عرسانًا من بعض الدول الشَّقيقة والصَّديقة ممَّا يظهر الرَّحمة والإنسانيَّة العابرة للحدود الَّتي تتمتع بها بلادنا وأياديها المفتوحة بالسَّلام والمَحبَّة لكُلِّ مَن يحتاج إليها في أيِّ مكان بالعالم.

لا شكَّ أنَّه أصبح من واجب المُجتمع تقديم يد العون للشَّباب الباحث عن الاستقرار.. فما زال البعض يغالي في متطلبات الزواج خصوصًا الشَّبكة، ويرون أنَّ هذا يَضْمن حقَّ ابنتهم في العيش الكريم غير مبالين بحالة الشَّاب الماديَّة وما تكبَّده حتَّى يحصل على عش الزوجيَّة وغير ذلك من الاحتياجات الأخرى.. وهذا لا يعني أنَّنا ننتقص من حقِّ الفتاة في الحصول على شبكة محترمة أو أثاث فاخر، لكن في ظلِّ ارتفاع أسعار الذَّهب والأدوات الكهربائيَّة والأثاث المنزلي مع ضآلة الرَّاتب فإنَّ ذلك يُعَدُّ من قبيل التَّفاخر والتَّباهي والمظاهر الَّتي لا يَجِبُ مراعاتها فالمال وحده لن يجلبَ للفتاة السَّعادة، خصوصًا وأنَّ الشَّاب لا يستطيع توفير كافَّة متطلبات العروس، وهو ما جعل كثيرًا من الشَّباب يعزفون عن الزواج ويفضِّلون العزوبيَّة حتَّى لا يقعوا فريسة الدُّيون الَّتي هي همٌّ باللَّيل وذلٌّ بالنَّهار.

لقد كان المسلمون الأوائل يزوِّجون بناتهم بما يحفظ الشَّاب من آيات القرآن الكريم، وهذا ما يَجِبُ أن نقتدي به ونتقي الله في شبابنا فيقف ولي العروس بجوارهم ولا يغالي في المهر والشَّبكة أو طلب حفل زفاف فاخر؛ لأنَّنا جميعنا بدأنا صغارًا وكبرنا مع الأيَّام، وما لم يأتِ الآن من مستلزمات المنزل سوف يأتي في الغد، المُهمُّ هو تحقيق الاستقرار للشَّباب حتَّى يتفرغوا للبناء والتَّعمير.

لا شكَّ أنَّ مِثل هذه الرُّوح المتآلفة وقِيَم التَّعاون والمَحبَّة هي ما يَجِبُ أن نحرصَ على نشره بَيْنَ أفراد المُجتمع بأيِّ وسيلة، ومنها الزواج الجماعي الَّذي صار من العادات الحضاريَّة الرَّاقية الَّتي يفتخر بها أيُّ مُجتمع، وأحَد حلول القضاء على ظاهرة العنوسة والعزوبيَّة على حدٍّ سواء.. فتيسير الزواج على الشَّباب ومساعدتهم على تكوين أُسرة هدف نبيل يَجِبُ التَّوعية به حتَّى يشجّع الشَّباب على إكمال نصف دينهم وإشباع غريزتهم وتحقيق حلمهم في الزواج.

كُلُّ التَّحيَّة لِمَن أسهَمَ في إقامة الأعراس الجماعيَّة، وندعو الله أن يضعَ ذلك في ميزان حسناتهم.. وكُلُّ الأُمنيات للعرسان الجُدد بالسَّعادة والهناء وبالرَّفاه والبنين.

ناصر بن سالم اليحمدي

كاتب عماني