الخميس 02 أبريل 2026 م - 14 شوال 1447 هـ
أخبار عاجلة

عمرك بالستين.. والبداية الآن!

عمرك بالستين.. والبداية الآن!
الاثنين - 08 ديسمبر 2025 09:07 ص

د. يوسف بن علي الملَّا

30


في سن الستين عامًا، قد تلاحظ بأنَّ الناس من حَوْلِك بدؤوا يتحدثون عن سنِّك، بل وأحيانًا يتدخلون في معرفة عمرك في هذه السِّن وحقّهم في تحديد سنِّك نيابةً عنك! حقيقة تفاجأتُ كيف أنَّ ذلك يؤثِّر على الكثير من الأفراد، وكان لزامًا أن نتطرق ـ ولو سريعًا ـ لهذه النظرة، خصوصًا في عصرنا هذا! والحقيقة هنا ـ وبمتابعتي المتواضعة ـ أجد أنَّ مُعْظم ما يطلق عليه المُجتمع شيخوخة لم يَعُدْ مدعومًا بما نعرفه من الأبحاث الحديثة. أوَلَسْتَ معي أنَّ بيولوجيا ذلك الفرد وليس عيد ميلاده، هي الَّتي تحدِّد الحيويَّة. وهنا أتساءل: عندما تنظر إلى أصدقائك مثلا، ألا ترى وبشكلٍ متزايد إلى أنَّ الشيخوخة اليوم تبدو مختلفة عن الشيخوخة حتَّى قَبل جيل؟! بطبيعة الحال، هنالك دراسة، فحصت أكثر من أربعمئة ألف بالغ، خلصت إلى أنَّ العمر الوظيفي، والمقاس بالحركة والإدراك واللياقة القلبيَّة التنفسيَّة يختلف اختلافًا واضحًا عن العمر الزمني. أوَلَا نجد عمر شخص في أيَّامنا هذه يبلغ من العمر ستين عامًا، ويتمتع بلياقة بدنيَّة جيِّدة ومؤشِّرات أيضيَّة مستقرَّة، مماثلًا لعمر شخص في أواخر الأربعينيَّات من عمره؟ ومع ذلك، لا يزال المُجتمع يستخدم مصطلحات مثل كبير السِّن كما لو أنَّ هذا الإنسان لم يتغيَّرْ مع مرور الوقت! والحقُّ يُقال، لقد تغيَّروا. الحمد لله بفضل النظام الصحِّي نعيش حياة أطول وأفضل متى ما اهتمَّ الفرد بصحَّة بدنه وقلبه، خصوصًا مع أولئك الأفراد الَّذين تزيد أعمارهم عن الستين عامًا والَّذين يحافظون على التواصل الاجتماعي والحركة البدنيَّة المعتدلة أصبحوا طبيًّا يُقللون من خطر الوفاة لدَيْهم بنسبة تصل إلى خمسة وأربعين بالمئة. وعليه، ما أوَدُّ أن أوضحَه هنا، أنَّنا يَجِبُ أن نكُونَ أكثر تفاؤلًا، ونعي بأنَّ الشيخوخة هي فترة يَجِبُ أن تكُونَ مرنة وقابلة للتكيُّف، بل إنَّها تتأثر بشدَّة بأُسلوب الحياة ونفسيَّة الفرد. مع ذلك، أتفهم سبب انزعاج الناس من تسميات الشيخوخة مثلًا. فوصف المرء بأنَّه كبير في السِّن يبدو أقرب إلى الرفض منه إلى الوصف. ولعلَّنا نسينا أنَّ هذا العمر اختزل عقودًا من الصمود والإنجاز إلى مجرَّد رقم. وهنا حقيقة كيف لنا أن نتجاهل جانبًا إنسانيًّا عميقًا، ألا وهو تراكم الخبرات والصَّفات المرتبطة بها وهي صفات نعلم جميعنا أنَّها تزداد مع التقدُّم في السِّن؟! وهذا يؤكد لنا أنَّ التنظيم العاطفي يتحسن بثبات بعد منتصف العمر. فدراسة حديثة وجدتْ أنَّ البالغين في الستينيَّات من العمر يتمتعون باستجابات عاطفيَّة أكثر استقرارًا، ومهارات أفضل في حلِّ النزاعات، ومرونة نفسيَّة أكبر من البالغين الأصغر سنًّا. وهذا واضح وجَلِي في مُجتمعاتنا حين يظهر النزاع تذهب المشورة وحلحلة الأمور إلى مَن هُمْ أكبر سنًّا وخبرة بالحياة. ثم عندما يرفض شخص في الستين من عمره وصف (عجوز)، فهذا ليس إنكارًا، بل هو رُبَّما يرفض اختزال عمره في التعقيد البيولوجي ـ إن صحَّ لي القول. ختامًا، إنَّ سن الستين هو عمر يعرف بالوضوح أكثر من القيود مهما كانت. هذا الوضوح مدرك حَوْلَ ما هو مُهمٌّ، وما يستحق الاستثمار فيه، وكيف تُبنى الصحَّة ليس فقط من خلال الطِّب، بل من خلال التواصل والحركة لمقاومة الصوَر النمطيَّة... فتَحيَّة لذلك الأب وهو في سنِّ الستين، وتقديرًا لذلك الصديق وهو يعيش الحياة بقلبه لا بسنِّه البيولوجيَّة، بَيْنَ آخرته ودُنياه ودِينه!

د. يوسف بن علي الملَّا

طبيب ـ مبتكر وكاتب طبي

[email protected]