في تقليد أميركي معتاد، يصدر الرئيس المنتخب «استراتيجيَّة للأمن القومي» قبل بداية العام الثاني من ولايته، والاستراتيجيَّة السابقة الَّتي أصدرها جو بايدن في 2022، منحت الأولويَّة للتفوق عسكريًّا على الصين، وكبح جماح روسيا الَّتي وصفتها بالخطر الكبير على أوروبا الحليف الرئيس للولايات المتحدة الأميركيَّة، بَيْنَما تصدرت أميركا اللاتينيَّة الأولويَّة في استراتيجيَّة دونالد ترامب الأمنيَّة، على حساب المواجهة مع الصين، وتراجع الاهتمام بأوروبا والشرق الأوسط.
فيما يخصُّ منطقتنا، تنصُّ الوثيقة على أنَّ هدف أميركا التاريخي بالتركيز على الشرق الأوسط سيتراجع، في إشارة إلى اعتماد أميركا على زيادة إمدادات الطاقة من الداخل، وليس من الخليج، خلافًا للرؤية القديمة الَّتي كانت تخزن نفط الداخل وتستورد النفط من الخارج، كما أنَّ التهديد الأمني ـ كما يرى ترامب ـ تراجع في المنطقة بعد إضعاف إيران وضرب منشآتها النوويَّة.
كما تُشير الاستراتيجيَّة إلى تراجع الاهتمام بإفريقيا؛ لرغبة ترامب في وقف سياسة المساعدات غير المُجدية، وعدم اقتناعه بالفكر الليبرالي وقضايا الديمقراطيَّة وحقوق الإنسان، الَّتي يرى أنَّها محاولات عبثيَّة، حاوَلَ باراك أوباما وكونداليزا رايس تسويقها في دول فقيرة، تحتاج للغذاء قَبل الديمقراطيَّة على النمط الغربي، باستثناء التعاون في مجال التنقيب، للحصول على المعادن النادرة الَّتي تمتلكها إفريقيا.
يعتقد ترامب أنَّ منطقة الشرق الأوسط أصبحت آمِنة بفضل جهوده في وقف حرب غزَّة، كما يرى أنَّ المنطقة تتغيَّر باتِّجاه علاقات شراكة قويَّة مع الولايات المتحدة، بعد الصفقات الَّتي أبرمها أثناء زياراته للمملكة العربيَّة السعوديَّة وقطر والإمارات، والَّتي جذبت استثمارات ماليَّة ستنعش قِطاع التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في أميركا ودول الخليج! في المقابل يرى ترامب ضرورة التخلِّي عن السياسة الأميركيَّة القديمة الَّتي تمارس الضغوط على الدول؛ لتغيير الأنظمة، والاكتفاء بقدر يسير من الإصلاحات النابعة من الداخل، الَّتي تحترم ثقافة وتقاليد وعادات دول المنطقة.
أكدت الوثيقة التزام أميركا بحماية المصالح الحيويَّة لها في الشرق الأوسط، وتأمين مصادر الطاقة، ومنع وقوعها تحت سيطرة أعداء أميركا ومنافسيها، والحفاظ على حُريَّة الملاحة في مضيق هرمز والبحر الأحمر، ومكافحة الإرهاب بالتعاون مع دول المنطقة، بوسائل أيديولوجيَّة وعسكريَّة مبتكرة، بعيدًا عن استراتيجيَّة الحرب القديمة.
ترى الوثيقة أنَّ أمن المنطقة يتحقق بالتعاون بَيْنَ مصر وتركيا ودول الخليج، وتستشهد بما حدَث في مؤتمر شرم الشيخ من تعاون بَيْنَ هذه الأطراف وأميركا لوقف الحرب بَيْنَ «إسرائيل» و»حماس»، والإفراج عن الرهائن. وتُشير الاستراتيجيَّة صراحةً إلى أنَّ تحقيق الأمن في الشرق الأوسط، يتطلب توسيع اتفاقيَّات إبراهام للتطبيع مع «إسرائيل»، لتشمل المزيد من دول المنطقة، وتُمثِّل حلًّا أمنيًّا بديلًا للوجود العسكري الأميركي.
هناك صعوبة في الحكم على استراتيجيَّة ترامب الأمنيَّة، وهل هي في صالح الدول العربيَّة؟ أم تؤثر علينا بالسلب؟ في ظل غياب اتِّجاه أيديولوجي واضح يُشكِّل مرجعيَّة لسياسات الرئيس الأميركي، ولا نهج محدَّدًا تجاه قضايا ومصالح واشنطن مع دول المنطقة؛ فترامب منذ عرفناه يغيِّر آراءه وقراراته تبعًا لأهوائه ومصالحه الَّتي تتغير من حين لآخر، وإن كان الشيء الإيجابي الواضح هو اعترافه بأخطاء أميركا تجاه دول المنطقة، يقصد غزو العراق واحتلال أفغانستان، وسياسة الفوضى الخلَّاقة.
محمد عبد الصادق
كاتب صحفي مصري