يُمثِّل المستوى الاقتصادي لأيِّ مُجتمع ترمومتر الإنفاق على مختلف مناحي الحياة، حيثُ يميل المُجتمع الغني إلى المزيد من الإنفاق خصوصًا على الجوانب الترفيهيَّة بصورة خاصَّة؛ ذلك أنَّ الجوانب الأساسيَّة في الأساس لا تتطلب الكثير من الإنفاق، وإن كان فإنَّها محدَّدة بمعايير واضحة لا يُمكِن تجاوزها، بعكس الجوانب الأخرى المرتبطة بالكماليَّات، حيثُ تميل إلى التنوع من حيثُ الكمِّ والكيف، وبالتَّالي يتمُّ التركيز عليها بصورة مباشرة وربطها بجوانب أخرى مرتبطة بشخصيَّة الفرد أهمها التميز وحُب الظهور، والعمل وفق منظومة نفسيَّة تعلي من شأن هذه النوعيَّة من البشر ممَّا يؤدي إلى أن يتمَّ الإنفاق على مجالات الترفيه والكماليَّات بمستوى لا يتوافق مع الصرف على الأساسيَّات الَّتي يحتاجها الإنسان، كما أنَّ الآلة الإعلاميَّة الحديثة بما تشمله من برمجيَّات «السوشيال ميديا» ساعدت وبقوَّة على دعم هذا التوجُّه وإظهار التميُّز الَّذي يسعى له الأفراد على مستوى ونطاق واسع لا ينحصر فقط في المُجتمع الضيق الَّذي يعيش فيه، بل يتعداه إلى نطاق أوسع يشمل العالم بأسره، في وقت شجَّعت الشركات العالميَّة ودعمت هذا التوجُّه للمزيد من جني الأرباح، ممَّا أدَّى بكثير من الناس إلى إنفاق مبالغ طائلة على هذا الزيف الإعلامي بغية تحقيق الذَّات من وجهة نظرهم. وما برنامج «السناب شات» مثلًا إلَّا دليل صارخ على هذا الخواء الروحي الَّذي يعتقد الكثير أنَّه يُحقِّق نفسه من خلال هذا الظهور المبالغ فيه وصرف المبالغ في نقل هذه الفعاليَّات لدرجة أنَّ الكثير من المشاهير يطلب مبالغ كبيرة وغير منطقيَّة لمجرَّد أن يحضر مناسبة معيَّنة وينقل فعاليَّاتها ولا تتحدث عن باقي تفاصيل المناسبة، وماذا يوجد بها من كماليَّات لإظهار الغرور البشري، خصوصًا أنَّها ستصل إلى ملايين الأشخاص عَبْرَ حساب هذا المشهور.
إنَّ مشاهدتنا لهذه المقاطع الَّتي تزخر بها منصَّات التواصل الاجتماعي والَّتي تتمحور أهدافها وفق ما تحدَّثنا عنه من بهرجه زائفة، لم تكُنْ مجرَّد مقاطع عابرة، بل إنَّها أصبحت نوعًا من التقليد في محيطنا الاجتماعي الضيق، وأصبحت نموذجًا يُحتذى به، خصوصًا في مجال الأعراس والمناسبات الأخرى، وبدل أن ننظر للأمر نظرة عقلانيَّة، خصوصًا مع وجود إشكاليَّات اقتصاديَّة في المُجتمع ليس أقلّها أزمة الباحثين عن عمل وما تركته من جوانب سلبيَّة على المستوى الاجتماعي ـ خصوصًا مع تناقص أعداد المتزوجين والَّذي يتضح من خلال تناقص أعداد المواليد أيضًا للعام الماضي ـ نظرنا للأمر أنَّه نوع من التطور الَّذي لا يَجِبُ أن نتخلف عن اللحاق بركبه، في تحدٍّ واضح وصريح للجهود المُجتمعيَّة الَّتي تحاول أن تعمل على تقليل المصاريف وتشجيع الزواج، ولكن يأبى البعض إلَّا أن يركب الموجة غير مدرك أنَّه يجازف بركوب آخرين لها رغمًا عنهم بغية مسايرة الأمر الواقع في مُجتمع يرفض الفكر العقلاني على حساب المظاهر.
إنَّ ما أتحدَّث عنه حادث في مُجتمعنا ـ بلا شك ـ وإذا كنَّا في فترة من الفترات حققنا نتائج إيجابيَّة في دعم وتوجيه هذه المناسبات بحيثُ لا تخرج عن نطاقها المحدَّد، خصوصًا في الزواجات الجماعيَّة، إلَّا أنَّ البوصلة في بعض المحافظات خرجت عن هذا النطاق، وأصبحت تحتاج إلى تدخُّل سريع على غرار ما يحدُث في مناسبات العزاء الَّتي تمَّ تقنينها بحيثُ تكُونُ في النطاق المرسوم لها والَّذي لا يزيد الكلفة على أهل المُتوَفَّى. إنَّ أدوار منظَّمات المُجتمع المحلِّي لا يَجِبُ أن تنحصر في مجرَّد الاحتفالات والاجتماعات الَّتي تعقد ليل نهار، بل في إيجاد آليَّة واضحة ومحدَّدة في نشر التوعية، ووضع تشريعات ومتابعة تطبيقها وأثرها بحيثُ تقضي على هذه العادات البالية والَّتي ستوجد نوعًا من جدار الحماية لوقفها، فما لا يُترك بالنصيحة يُترك بالتشريع، مع عدم الإضرار أيضًا بأصحاب القاعات والاستراحات والمُخيَّمات الَّتي أنشأها أصحابها تحقيقًا للربح المادي، ولكن يَجِبُ أن تكُونَ هنالك قاعدة واضحة بحيثُ لا يحدُث ضرر ولا ضرار على الجميع.
د. خصيب بن عبدالله القريني