السبت 03 يناير 2026 م - 13 رجب 1447 هـ

من هدي النبي «عفو النبي وصفحه»

الأربعاء - 03 ديسمبر 2025 01:48 م


إن المتأمل في سيرة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يدرك عظمة الأخلاق التي كان يتحلى بها، ويكفي ما يثني الله تعالى على الرسول (صلى الله عليه وسلم)، حيث يقول عزَّ وجل:(وإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ)، فالرسول (صلى الله عليه وسلم) بُعِثَ ليكمل مكارم الأخلاق فهو صاحب الأخلاق الرفيعة في كل تعاملاته، يقول (عليه الصلاة والسلام):(إنّما بُعثتُ لأُتَمِمَ مكارم الأخلاق). ومن أعظم الشمائل المحمدية تخلقه بصفة الحلم والعفو والصفح مع جميع الناس صغيرهم وكبيرهم، مسلمهم وكافرهم، فما كان يعرف الحقد ولا الرغبة في الانتقام ولا الغضب لشيء من أمور الدنيا، وإنما كان مثالًا في العفو عمّن ظلمه وأساء إليه رغم ما كان يلاقي من أذى كبير، فكان منهجه في تعامله قول الله تعالى:(اِدْفَعْ بِالتي هِيَ أَحْسَن فَإِذا الذي بِينَكَ وبَيْنَهُ عَدَاوةٌ كَأنَّه وَلِيٌ حَمِيْمٌ) (فصلت ـ 34). وفي هذا الدرس نتعلم خلق العفو والصفح عند نبي الله، لنفيد منه في حياتنا، ونجني منه الثمار التي جنها رسول الله، فإن الكثير من الناس باتوا على جفاء من هذا الخلق، فضلوا عن الوحدة، وصارت مضاربهم تئن من الفرقة والشقاق.

 مفهوم العفو والصفح:

العفو هو (التجاوز عن الذنب وترك العقاب) (الدرر السَّنِيَّة ـ علوي بن عبد القادر السقّاف)، والصفح هو ترك التأنيب والمحاسبة، والفرق بينهما هو أن الصفح أعلى خُلقًا من العفو، فالعفو ترك المؤاخذة على الخطيئة، لكن يبقى الأثر في القلب، بينما الصفح لا يبقى للذنب أثر فكأنما لم يكن هنالك ذنب. وقد أمر الله نبيه الكريم أن يصل به العفو إلى درجة عالية وهي الصفح، ليس مع المسلمين فحسب، بل حتى مع المشركين، فقال له:(فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ) (الحجر ـ 85)، أي: (أعرض عن أذى المشركين بلا جزع ولا انتقام) (تيسير التفسير للقطب)، فالانتقام يأتيهم من الله يوم القيامة لقوله قبل ذلك:(وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ).

 أهمية العفو والصفح:

للعفو والصفح نتائج رائعة في تحقيق الاستقرار الأسري، والمجتمعي، فبه تتقارب الأرحام، وتؤمّن العلاقات، وتتجاوز المشكلات، وتترفع عن فسافس الأمور في الأحوال الحياتية، مما يتيح رابطة متجذرة لا تنفك بين الناس. وقد تحلى النبي الكريم في خلقه بهاذين الخلقين، فأحبه أصحابه، واحترمه خصماؤه، فقرب البعيد وعزز القريب، ومن نتائج العفو الصفح هو الآتي:

1ـ العفو للقادة العظماء: في العفو رحمة بالمسيء، وتقديرٌ لجانب ضعفه البشري، وامتثال لأمر الله القائل:(خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ) (الأعراف ـ 99)، ولا يطيق هذا إلا الإنسان العظيم في خلقه المقتدي بنبيه، فالعفو من صفات القادة الناجحين، فبه يقود أمته ويسوسهم.

2 ـ عفو الله:(وَلْيَعفُوا وَلْيَصفَحوا أَلا تُحِبُونَ أَنْ يَغفِرُ الله لكم) (النور ـ 22)، فمن قام بالعفو رجى عفو الله وغفرانه، فمن عفا عن الناس عفا الله عنه، وأعد له أجر عظيم لم يذكر حدوده:(وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ) (الشورى ـ 40).

3ـ الروابط الأهلية: في العفو توثيق للروابط التي تتعرض إلى الوهن، والانفصام، بسبب إساءة بعض إلى بعض، والحياة الدنيا عرضة للخلاف، فقد يصل بهم الحال إلى التعدي والجناية. يوصينا النبي:(صِلْ من قطعك وأَعطِ من حرمك واعفُ عمن ظلمك).

4ـ العفو من صفحات الجنة: فهو من صفات المتقين المحسنين، فالله يقول:(وَسَارِعُوا إِلى مَغفِرةٍ مِن رَبِكُم وَجَنَةِ عَرضُها السَّمَاواتِ والأرضُ أُعِدّتْ لِلمُتّقين، الذَّينَ يُنفِقُونَ فِي السَّراءِ والضَّراءِ والكَاظِمِينَ الغَيظَ والعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللهُ يُحِبُّ المُحسِنين) (آل عمران 133 ـ 134).

5ـ الراحة النفسية: في العفو راحة نفسية لا يشعر بها إلا من جربها، واهتدى إليها.

6ـ العفو أسلوب دعوي ناجح: تماما كما فعل بأصحاب نبي الله في حبهم له واتباعهم المطلق لأوامره، مما حقق دعوة ناجحة إلى أبعد الحدود.

 مواقف نبوية:

كان العفو سمةً بارزة في شخصية النبي محمد (صلى الله عليه وسلم)، وتتجلّى في مواقف نبوية عظيمة تُضرب بها الأمثال في التسامح والصفح عن المسيئين، فقد كان يعفو عند المقدرة، ويصفح عند الإساءة، ويقابل الأذى بالإحسان، مما جعله قدوة في الأخلاق الرفيعة، ومصدر إلهام للبشرية جمعاء: (1) فتح مكة: في فتح مكة وكفار قريش بين يدي رسول الله متمكنًا منهم، قال الرسول (صلى الله عليه وسلم) لهم:(ما تظنون أنّي فاعلٌ بكم؟، قالوا: أخٌ كريمٌ وابنُ أخٍ كريمٍ)، فقال ـ عليه الصلاة والسلام ـ قولة سجلها التاريخ:(اذهبوا فأنتم الطلقاء، لا تثريب عليكم اليوم، يغفر الله لكم، وهو أرحم الراحمين)، (2) الأعرابي والعطاء: روى أنس بن مالك ــ رضي الله عنه ـ قال:(كنت أمشي مع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وعليه برد نجراني، غليظ الحاشية، فأدركه أعرابي، فجبذه بردائه جبذة شديدة، فنظرت إلى صفحة عاتق النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وقد أثرت بها حاشية الرداء من شدة جبذته، ثم قال: يا محمد! مُر لي من مالِ الله الذي عندك، فالتفت إليه فضحك، ثم أمر له بعطاء)،(3) مع اليهودي: باع يهودي بيعًا للنبي (صلى الله عليه وسلم) إلى أجل فجاءه قبل الأجل، فقال النبي (صلى الله عليه وسلم):(لم يحن الأجل)، فقال اليهودي: إنكم لمطل يا بني عبد المطلب، فهمَّ به أصحابه فنهاهم النبي، ولم يزده إلا حلمًا وعفوًا وسماحة، فقال اليهودي: كل شيء منك عرفته من علامات النبوة، وبقيت واحدة وهي أنك لا تزيدك شدة الجهل عليك إلا حلمًا فأردت أن أعرفها، وأسلم، (4) في الطائف: لما مات أبو طالب عم النبي (صلى الله عليه وسلم) اشتد إيذاء قريش بالرسول (عليه الصلاة والسلام) فخرج الرسول إلى الطائف آملًا في أن تسلم ثقيف وينصروه، ولكن سادة ثقيف وأشرافهم قابلوه بالاستهزاء وأغروا به سفهاءهم وعبيدهم يسبونه ويرمونه بالحجارة، فذهب الحبيب المصطفى وجلس في ظل نخلة وهو مكروب مما لقي من أهل الطائف من صد ففاض لسانه الشريف بدعاء يشكو في إلى الله قلة حيلته:(اللهم إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين! أنت رب المستضعفين، وأنت ربي، إلى من تكلني؟ إلى بعيد يتجهمني؟ أم إلى عدو ملكته أمري؟ إن لم يكن بك غضبٌ عليَّ فلا أبالي، غير أن عافيتك هي أوسع لي ..) .. إلى آخر الدعاء، فأرسل الله ملك الجبال إلى الرسول (صلى الله عليه وسلم) يستأذنه في أن يطبق عليهم الأخشبين وهما جبلان بينهما الطائف، فقال الرسول (صلى الله عليه وسلم):(بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده ولا يشرك به شيئًا).

 خاتمة:

وهكذا تبقى مواقف النبي (صلى الله عليه وسلم) في العفو والصفح نبراسًا يهتدي به المسلمون في تعاملهم مع الآخرين، ودليلًا على أن القوة الحقيقية تكمن في كظم الغيظ والتسامح عند المقدرة، فرسول الله (صلى الله عليه وسلم) لم يكن نبيًا فقط، بل كان مدرسةً في الأخلاق والرحمة، تُعلّمنا أن نرتقي بأخلاقنا ونسير على نهجه في التسامح والعفو، لنعيش في مجتمع تسوده المحبة والسلام.

سامي بن محمد السيابي 

 كاتب عماني