يظن بعضُ المسلمين، والقارئين للقرآن الكريم أنه لا وزنَ، ولا شأنَ لتغيير الحركة الإعرابية في معنى الآيات، أو النصوص اللغوية بعامة، وأنه أمرٌ لا علاقةَ له بالمعنى، ولا ارتباطَ له بالدلالة، ولا تبادلَ معه في السياق، وهو فهمٌ مغلوط، وإدراكٌ غيرُ سديدٍ، وصاحبُه لا يعلم أن هذا الأمرَ مرتبطٌ جِدَّ الارتباطِ بصُلْب المعنى، ومتساوقٌ مع أصلِ السياق، ومتناغمٌ مع ما سِيقَ له من دلالة عالية، وأهداف سامية، ومَعَانٍ راقية.
ونتجاوز هذا الادعاءَ بالدخول مباشرةً في إيراد نماذج لذلك (أوردْتُ هنا ستة نماذج)، نشرحها، ونوضِّحها، ونبيِّن من خلالها أن تغييرَ الحركة من كسرٍ، أو فتحٍ، إلى ضَمٍّ إنما جاء ليكشف عن مقصود كبير، ومعنًى خطير، وسياق جديد، وفكر فريد، وحكمةٍ سديدةٍ، ودلالاتٍ عديدةٍ، وأنه مقصود مراد، ومذهوبٌ إليه عن قصد، واعتقاد.
وهذا ما يُسَمُّونَهُ العدولَ الإعرابيَّ، أو العدولَ النحويَّ، وهو مخالفة مقتضى القاعدة النحوية، والإتيان بالإعراب على خلاف مقتضى الظاهر، وهي ـ في الحقيقة ـ مختلِفة حقًّا، واختلافها الإعرابي هنا مقصودٌ، والعدول فيه مرادٌ، حيث يتحقق من خلاله أرقُّ المعاني، وأرفعُ المفاهيم التي لم تكن لِتُوجَدَ لولا مخالفة القاعدة، ومباينة الضابط النحوي، ومقتضى الظاهر.
ـ النموذج الأول، قوله تعالى:(يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ، بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ، لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ، وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ، وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ، وَحُورٌ عِينٌ، كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ، جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (الواقعة 17 ـ 24).
هنا نجد أن السياق سياقُ جرٍّ، بدءًا من قوله عزوجل:(يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ، بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ) الى قوله:(وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ، وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ)، كله جاء مجرورًا، عطفا على (أَكْوَابٍ)، ولكنه عندما جاء إلى قوله:(وَحُورٌ عِينٌ) جاء باللفظة مرفوعةً، ومضمومةً، مخالفةً لما قبلها من المجرورات، وهي قراءة متواترة، وصحيحة، فلم عُدِلَ عن الجر إلى الرفع، وعن الكسر إلى الضم؟.
ونحاول هنا فهم ذلك، فنجد أن الجرَّ يعني أن الحُورَ يُطَافُ بهن مثل: الأكواب، والأباريق، والكؤوس، والفاكهة، ولحم الطير، وغيره مما يطلبه أهل الجنة، وكأنها شيءٌ ماديٌّ لا عقلَ لها، ولا إحساسَ، يدار به هنا، فيقبلها هذا، ويدار بها هناك، فيرفضها هذا، ويُمضَى بها إلى هنالك، فيقال للطائف بها:(دعْها قليلًا، فقد أحتاج إليها)، وهو أمر ليس فيه كرامة للحور، وفيه شيءٌ من الامتهان: أن تُعرَضَ حوريةٌ على رجلٍ من أهل الجنة، فيرفضها، أو يؤجلها، وهي مَنْ، هي (جمالًا، ووضاءةً، وكمالًا، ودلالًا، ونورًا، وبهاءً)، وهو أمر يتنافى مع سمو الذوق، ورقة المرأة، وعلو إحساسها، فجاءتِ القراءة بالرفع، وخالفتِ القاعدةَ؛ حتى يكونَ الإعرابُ على الابتداء، أو الاستئناف، وتكون:(وَحُورٌ) بالرفع مبتدأ، و(عِينٌ) صفتها، فهو مبتدأ منكَّر سَوَّغَ الابتداءَ به مع تنكيره تخصيصُه بالوصف، ويكون شبهُ الجملة:(كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ) في محل رفع خبرًا له، أو متعلقًا بمحذوف هو الخبر، أي: (وحورٌ عينٌ مستقرات كأمثال اللؤلؤ المكنون، أو جميلات كأمثال اللؤلؤ المكنون، أو نضيرات نضارة اللؤلؤ المكنون)، فقد حقَّق الرفع هنا رِفْعَتَهُنَّ، فرُفِعَتْ لبيان أنهن مكرَّماتٌ، مرفوعاتٌ في الدنيا والآخرة، وأن المرأة محترمةٌ، موقّرة، مكرّمة: دنيا وآخرة، وأنه هذا وضعُها في الإسلام، ومكانتها في دين الله، سواء أكانت في الدنيا أم في الآخرة، فلم يشأ القرآنُ أن يبيِّنَ ـ بِجَرِّهَا ـ أنها مما يُطَافُ به، وأنها مبتذَلةٌ، كالأكواب، والأباريق، والكؤوس.. ونحوها مما يُرِيدُهُ أهلُ الجنة، وإنما رُفِعَتْ حتى تكون مرفوعةً في أنظار الخلق: دنيا وأخرى، ويبيِّن الإسلامُ تقديرَه للمرأة في الحياتين، وأنها مرفوعة عند الله، مكرمة في دينه، وأنه لا يطاف بها، كما يطاف بالكوب، ونحوه مما يشتهيه أهل الجنان، فهي أسمى من ذلك، وحتى لا تتعرض لرفض هذا، أو تكرُّم هذا عليها بالقَبول، أو تأجيل ذاك لها، فتظلَّ واقفةً بين يديه حتى يطلبها، هذا لا يكون في شريعة الله رب العالمين، الذي خلقها، وخلق فيها أنوثتَها، ورقتها، ووضع فيها الحياء، والدلال، وأنها مطلوبة لا منتظرة، ولا طالبة، رفع في الحركة، ورفع في القدر، والمنزلة، والمكانة، والإحساس، وعندما تقرأ المرأة هذا، وتقف على دلالته الرفيعة، وقيمته البعيدة الفريدة.. تشكر ربها على توقيرها دنيا وأخرى.
د.جمال عبدالعزيز أحمد
كلية دار العلوم ـ جامعة القاهرة - جمهورية مصر العربية