اتَّجهتِ الأنظار أمس الأربعاء صوب العاصمة البحرينيَّة (المنامة) الَّتي استضافت القمَّة الخليجيَّة السادسة والأربعين في ظرف إقليمي بالغ الحساسيَّة مع تزايد الأزمات والحروب وتقاطع الملفات السياسيَّة والاقتصاديَّة والأمنيَّة على نَحْوٍ غير مسبوق منذ تأسيس مجلس التَّعاون الخليجي عام 1981م.
قمَّة ليست عاديَّة ولا استثنائيَّة، ويتشابك فيها الكثير من الأوراق المعقدة، أبرزها تداعيات الحرب في غزَّة، واستمرار التَّوتر في البحر الأحمر، وتباطؤ الجهود الدبلوماسيَّة لاحتواء حرب السودان والخلاف مع إيران، بالإضافة إلى خلافات بَيْنَ بعض الدول العربيَّة، إلى جانب ضغوطات ومتغيِّرات السياسة الأميركيَّة في المنطقة والعالم.
نقدر عاليًا الجهود الَّتي تبذلها الدَّولة المستضيفة للقمَّة، ولكن الملفات الجوهريَّة الَّتي تمسُّ جوهر المواطن الخليجي وأمنه لا بُدَّ أن تكُونَ لها الأولويَّة لتعزيز مَسيرة مجلس التَّعاون الخليجي لِيكُونَ التَّكامل هو هدفنا الأساسي في كافَّة الجوانب الاجتماعيَّة والاقتصاديَّة والأمنيَّة والتَّعليميَّة والأمن الغذائي، وهذا ما تتطلبه المرحلة الراهنة.
فالكُلُّ ينتظر من هذه القمَّة الكثير من النتائج الَّتي تعكس قوَّتنا وحرصنا الشَّديد على السَّير للأمام والإسراع في تنفيذ قرارات القمم السابقة، خصوصًا المتعلقة بالسوق الخليجيَّة المشتركة واتحاد الجمارك والمشاريع الصناعيَّة المشتركة وإنشاء مصانع عملاقة في عواصمنا للدواء والصحَّة والغذاء والمنتجات الزراعيَّة، والسلاح والتكنولوجيا الحديثة والطاقة النظيفة، وتعزيز استثمارات الصناديق السياديَّة الخليجيَّة في الدول الست ومناطقنا الاقتصاديَّة.
فالقمَّة محمَّلة بملفات ثقيلة، وأصحاب الجلالة والسُّمو قادة دول المجلس قادرون على إدارة هذه الملفات وتكريس العمل الخليجي، ورسم أولويَّات المرحلة القادمة للمجلس بما يعزِّز المَسيرة الواحدة، وتسريع تنفيذ المشاريع الَّتي تصبُّ في صالح مواطني دول المجلس.
فالإنجازات الَّتي تحققت خلال السنوات الماضية نوعيَّة ومتعدِّدة، ولكن ما زال المواطن الخليجي يتطلع إلى الكثير والكثير، وزيادة التَّكاتف والتَّكامل في ظلِّ الظروف الحسَّاسة الَّتي تمرُّ بها المنطقة والعالم والَّتي تتطلب الانتقال من الأقوال إلى الأفعال، وبناء صروح من المنشآت والصناعات الغذائيَّة والإلكترونيَّة والدوائيَّة والزراعيَّة تغطِّي السوق الخليجية وتتصدر للخارج كمنتح خليجي أُسوة بالاتحادات والمنظَّمات القاريَّة الأخرى بدلًا من الاستيراد منهم.
ونحن على ثقة بأنَّ قمَّة المنامة كانت مناسبة لتجديد العزم وابتكار الحلول وإيجاد رؤية مشتركة، وفرصة تاريخيَّة لتعزيز الشَّراكة الاستراتيجيَّة بَيْنَ الدول الست، وتوثيق العلاقات فيما بَيْنَها، لا سِيَّما في ظل التَّحدِّيات الإقليميَّة والدوليَّة والتَّنافس على السيطرة والتَّوسُّع والقوَّة، فوحدتنا في تكاملنا اقتصاديًّا واستثماريًّا وتنويع مصادر الدخل، لذا من الضروري إيجاد الشَّراكة الحقيقيَّة بَيْنَ الدول الست لتأمين الغذاء والدواء والأمن والوظائف لشعوب دول مجلس التَّعاون، وليكُنْ هذا هو شعار المرحلة القادمة، فأمن لنفسك هذه الأساسيَّات لتعيش في رخاء وأمن وازدهار.
فالظروف السياسيَّة الَّتي يمرُّ بها العالم من حروب وأزمات اقتصاديَّة واضحة، تحتِّم على القمَّة الخروج بقرارات تزيد من وحدة وقوَّة وصلابة الموقف الخليجي المشترك. كُلُّ التَّوفيق لأصحاب الجلالة والسمو من أجل خدمة قضايا مجلس التعاون والإقليم والعالم، وتعزيز مسيرته، وتحقيق تطلُّعات شعوبهم... والله من وراء القصد.
د. أحمد بن سالم باتميرا