تحدثنا في مقال سابق بعنوان (اتفاق غزَّة بَيْنَ الالتزام أو المماطلة) أنَّ الكيان المحتل وحكومته المتطرفة لن يلتزموا بأيِّ اتفاق يتم مع أيِّ جهة كانت، وأنَّه ليس هناك ضامن لأيِّ التزام ببنود اتفاق غزَّة، واعتمدت وجهة النظر على عدَّة عوامل سياسيَّة، أمنيَّة، موقف الحكومة المتطرفة المؤيدة بضغوط داخليَّة. وقد أثبتت الأيَّام صدق هذه الرؤية أو وجهة النظر، وهي أنَّ الكيان المحتل يواصل اعتداءاته على أهالي غزَّة برًّا وجوًّا، وأنَّه يُمارس كُلَّ ما هو محظور في اعتداءاته وخروقاته رغم الإدانات الدوليَّة، سواء الشَّعبيَّة أو الرسميَّة. وأفات التَّقارير الواردة من مصادر إعلاميَّة مختلفة بأنَّ عدد الانتهاكات الَّتي ارتكبها جيش الاحتلال منذ دخول الاتفاقيَّة حيِّز التَّنفيذ في العاشر من أكتوبر الماضي (591) خرقًا ما أدَّى إلى ارتقاء (357) شهيدًا فلسطينيًّا نتيجة هذه الاعتداءات الَّتي تحدث باستمرار وبشكلٍ يومي؛ جرَّاء الغارات الَّتي يشنُّها جيش الاحتلال «الإسرائيلي» الَّتي طالت أنحاء مختلفة من قِطاع غزَّة، مع أوامر بفرض الإخلاء القسري للفلسطينيين، دون ضمان توفير شروط إنسانيَّة مناسبة للنازحين، ممَّا دفع العديد من المنظَّمات الحقوقيَّة إلى إدانة هذه الاعتداءات والمطالبة في تقاريرها من منظَّمات حقوق الإنسان والجهات الدوليَّة، الضغط على حكومة الاحتلال العنصريَّة المتطرفة من أجل رفع الحصار وإيقاف الاعتداءات على أهالي غزَّة العزَّل، وإحدى هذه المنظَّمات منظَّمة «هيومن رايتس ووتش» الَّتي تطالب أيضًا بالسماح بإعادة الإعمار دون قيود، ورفع الحصار المستمر منذ سنوات والَّذي يُعَدُّ عقابًا جماعيًّا لسكَّان غزَّة، وانتهاكًا للقانون الدولي الإنساني، بما في ذلك الهجمات غير القانونيَّة على المَدنيين، والتَّهجير القسري، في إشارة إلى أنَّ الحرمان المتعمد من المياه والبنية الأساسيَّة كالصرف الصحي يرقى إلى جريمة الإبادة الجماعيَّة، وطالبت «رايتس ووتش» بمساءلة مَن ارتكب هذه الجرائم، حتَّى بعد وقف إطلاق النار. كما انتقد مكتب حقوق الإنسان التَّابع للأُمم المتحدة أوامر الإخلاء الَّتي يصدرها جيش الاحتلال في معظم مناطق غزَّة، وعدَّها «قسريَّة» وغير متوافقة مع المعايير الدوليَّة، ويُعَدُّ أحد أشكال الانتهاكات الخطيرة؛ لأنَّه يضع المدنيين في وضع هش من دون ضمانات كافية لمرافق بديلة آمنة، كما تطالب منظَّمات حقوقيَّة أخرى بالسماح للمراقبين المستقلين بدخول غزَّة لتوثيق الانتهاكات والجرائم، وهو جزء أساسي من المساءلة؛ لأنَّه بدون الرقابة الدوليَّة الفعَّالة، هناك مخاطر كبيرة لإفلات مرتكبي الانتهاكات من العقاب، مع فرض محاسبة دوليَّة من الأعضاء في الأُمم المتحدة على بعض المسؤولين في الكيان المحتل. والضغط على حكومة الكيان المحتل للوفاء بالتزاماتهم الدوليَّة تجاه أهالي غزَّة، خصوصًا في ما يتعلق بالبنية الأساسيَّة والمساعدات والحقوق الأساسيَّة.
إنَّ تدهور الوضع الإنساني لأهالي غزَّة وسط هذه الانتهاكات والصمت الدولي بعد الركون إلى اتفاق وقف إطلاق النار بَيْنَ الكيان المحتل والمقاومة الفلسطينيَّة وتجاهل الانتهاكات، جعل السؤال المخزي يتردد» هل اكتفى العالم بهذه الاتفاقيَّة لإسكات الشُّعوب؟ ولا يهم إن كان هناك التزام من جانب جيش الكيان المحتل بتنفيذ بنود الاتفاقيَّة أم لا؟ والاكتفاء بتطبيقها على الورق فقط، حتَّى أصبحت أخبار الانتهاكات لا يتم تداولها بالشَّكل الصحيح، ولا تتصدر الأخبار كما في السابق، ليترك العنان لجيش الاحتلال بتنفيذ خططه الخاصَّة بتصفية القضيَّة الفلسطينيَّة وإبادة الشَّعب الفلسطيني في غزَّة؟ وما يؤكد ما ذهبنا إليه هو استمرار الاعتداءات بالقصف والضربات الجويَّة والَّذي يؤدي إلى سقوط ضحايا ما بَيْنَ شهيد ومصاب، ممَّا يضع اتفاقيَّة وقف إطلاق النار تحت ضغط شديد في ظل ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانيَّة تصنف بالإبادة الجماعيَّة الممنهجة.
جودة مرسي
من أسرة تحرير «الوطن»