الخميس 02 أبريل 2026 م - 14 شوال 1447 هـ
أخبار عاجلة

برد غزة

برد غزة
الأربعاء - 03 ديسمبر 2025 09:35 ص

د.أحمد مصطفى أحمد

20

إذا كان الإعلام الغربي يسير خلف الرئيس الأميركي دونالد ترامب فذلك يُمكِن فهمه. ليس فقط لأنَّه حاكم أكبر قوَّة غربيَّة هي الولايات المتحدة، وإنَّما لأنَّ الاهتمام بحرب أوكرانيا يعني الأوروبيين والغرب عمومًا أكثر من أيِّ قضيَّة أخرى.. ففي النهاية أوكرانيا، وحتَّى روسيا، أقرب جغرافيًّا وعلاقتها بالأمن القومي لدول أوروبا أولويَّة. لذا، تحوَّل الإعلام وجهود «النشطاء» وتعليقات المحللين والخبراء بعيدًا عن أبشع كارثة إجراميَّة في عصرنا تجري في غزَّة والضفَّة الغربيَّة. إنَّما ما هو مبرِّر التَّحوُّل في الإعلام العربي وفي اهتمام شعوب المنطقة وليس فقط حكوماتها بعيدًا عن الإبادة الجماعيَّة والتَّطهير العِرقي الَّذي يمارسه الاحتلال في فلسطين؟ هل ركن الجميع ببساطة إلى أنَّهم «قاموا بما استطاعوا» بتمرير خطَّة ترامب في مجلس الأمن! هل صدق البعض أنفسهم أنَّ الحرب «توقفت»؟

لم تتوقف الحرب، فالقصف «الإسرائيلي» لم يتوقف وما عاد منذ زمن يحتاج إلى تبرير ملفق. والعمل على طرد الفلسطينيين من أرضهم ووطنهم لم يَعُدْ قاصرًا على قِطاع غزَّة، بل يجري على قَدَم وساق في الضفَّة الغربيَّة. ولا تتوقف هجمات قطعان المستوطنين العنصريين على الفلسطينيين وممتلكاتهم وحرقها وتدميرها. ويكمل جيش الاحتلال المهِمَّة بالاغتيالات وأوامر «الإخلاء» ـ أي الطرد ـ لتوسيع الاستيطان الصهيوني في الضفَّة على حساب بلدات الفلسطينيين. فالإبادة والتَّطهير العِرقي مستمر ولم يتوقف، ولم تخف وتيرته حتَّى إنَّما فقط تراجع الاهتمام الإعلامي به. رُبَّما أيضًا لأنَّ الناس وصلت إلى مرحلة أنَّه «ما باليد حيلة».

مع دخول الشَّتاء نسف المطر ما حاول الفلسطينيون أن يستروا به أنفْسهم وسط الدمار الَّذي خلَّفه الصهيوني. وأصبح مَن لا تقتله غارات العدوِّ يقتله البرد الممزوج بالجوع. فحتَّى ما قيل عن دخول المساعدات لم يحدث، إذ لا يزال الاحتلال يمنع المساعدات إلَّا عن مناطق بها جماعات مسلَّحة مرتبطة به تقوم هي أيضًا بأعمال خطف واغتيال للفلسطينيين لتبرر الدعم الَّذي تتلقاه من الصهاينة المحتلين وغيرهم. ومؤخرًا أعلن جيش الاحتلال شريط حدود القِطاع مع مصر «منطقة عسكريَّة مغلقة»، ليس لأنَّها خطر عليه وإنَّما بهدف إغلاق المنفذ الأهم لدخول المساعدات من مصر. فلم يتخلَّ الصهاينة لحظة عن سياسة التَّجويع حتَّى الموت إلى جانب المجازر والمحارق الَّتي يرتكبونها يوميًّا. والهدف هو دفع الفلسطينيين للرحيل من القِطاع إلى أيِّ مكان خارج فلسطين. بل إنَّ الصهاينة، ومعهم مؤيدوهم، يبتكرون السُّبل لترحيل الفلسطينيين ومنها «جماعات» تقوم بتسفيرهم إلى أيِّ مكان مع استمرار رفض مصر بشدَّة نقل سكَّان غزَّة إلى شِبه جزيرة سيناء.

للأسف الشَّديد غابت الصوَر الكارثيَّة لِمَا يفعله البرد والأمطار بمئات آلاف الفلسطينيين في غزَّة، والَّذين ما زالوا يعانون شحّ الماء والطعام. لو أنَّ تسونامي، أو أي كارثة طبيعيَّة مشابهة، ضربت أيَّ مكان في العالم وتضرّر سكَّانه بقدر ما يعاني أهل غزَّة أو أقل من ذلك لهبَّ العالم لنجدتهم وجمعت التَّبرعات وانهالت المساعدات. لكن برد غزَّة مختلف، فهو ليس كارثة طبيعيَّة فحسب، إنَّما هي حرب وحشيَّة عنصريَّة يشنُّها الاحتلال على السكَّان الأصليين بهدف إمَّا إبادتهم أو طردهم من بلادهم. لذا لا يهتم أحد ببرد غزَّة خشية أن يتهم بأنَّه ضد «إسرائيل» مع أنَّ «إسرائيل» أصلًا ضد العالم كُلِّه وضد الإنسانيَّة وضد كُلِّ ما هو نبيل في البشريَّة باعتبارها احتلالًا عنصريًّا. إنَّ برد وأعاصير وأمطار غزَّة الَّتي تفتك بأهلها ليست كارثة طبيعيَّة، بل هي من صنع الاحتلال العنصري وتكمل له سياسة التَّجويع والقتل والتَّدمير والحرق الَّتي يمارسها دون توقف.

بالطبع لا يُمكِن إنكار جهود بعض القوى الإقليميَّة، خصوصًا مصر والأردن، في محاولة الحدِّ من العدوان. لكن من الصعب أيضًا تصوُّر أنَّ مجرَّد خطَّة أميركيَّة يقرُّها مجلس الأمن ستردع الصهاينة. فكم من قرارات مجلس أمن وغيره، وفي ظروف تاريخيَّة أفضل ممَّا نحن فيه بشأن ميزان القوى، ألقى بها الاحتلال الصهيوني في وجه أصحابها ووجه العالم كُلِّه واستمر في عدوانه دون رادع. فهذا الكيان الاستيطاني العنصري لا يعبأ بقانون أو غيره في ممارساته الإرهابيَّة. قد يكُونُ مصطلح «دول الطوق» أصبح بلا معنى، خصوصًا ولبنان يجد نفْسه مضطرًّا لقطع أذرعه الَّتي تقاوم الاحتلال بنفْسه كَيْ يضمنَ أن يبقى. أمَّا سوريا، فالحال كما نرى وتتجه دمشق لقَبول مزيدٍ من الاحتلال الصهيوني مقابل استقرارها!

إنَّما الأمر بالنسبة لمصر والأردن مختلف، فليس ما يجري في فلسطين مسألة إنسانيَّة أو أخلاقيَّة، بل هو في صميم الأمن القومي لكلا البلدين، خصوصًا مصر. ولا شك أنَّ القاهرة وعمَّان تدركان جيِّدًا أنَّ الاحتلال الصهيوني يُمثِّل خطرًا دائمًا لطبيعته العدوانيَّة الإجراميَّة ورغبته التَّوسعيَّة. كما أنَّ من صفات الاحتلال الصهيوني أنَّه لا يحترم عهدًا ولا قرارًا ولا اتفاقًا، ولدَيْه حجَّة وهميَّة جاهزة تدعمها أميركا والغرب وهي «الدفاع عن نفْسه وعن مصالحه». لكن بعيدًا عن مواقف الحكومات، إذ لها حساباتها المعقدة الَّتي تحكم سياساتها، لا يُمكِن فهم موقف الإعلام العربي وموقف الناس ممَّا يجري في فلسطين. هل أمنتهم إلى هذا الحد أنَّه ما أن يفرغ الاحتلال من الفلسطينيين تمامًا لن يستهدفكم؟!

د.أحمد مصطفى أحمد

كاتب صحفي مصري

[email protected]