الخميس 02 أبريل 2026 م - 14 شوال 1447 هـ
أخبار عاجلة

أطوينه.. نجمة كل الأعوام

أطوينه.. نجمة كل الأعوام
الأربعاء - 03 ديسمبر 2025 09:30 ص

عادل سعد

30

تتباين التَّوقعات العالميَّة هذه الأيَّام في البحث عن امرأةٍ تتميز بمواقف رائدة على الصعيد العالمي لاختيارها نجمة عام 2025 الَّذي يوشك أن يودع، وفي زحمة هذا التَّباين بشأن المعايير المعتمدة يظل مقياس نجمة كُلِّ الأعوام قيد الإهمال الجزئي مع اختلاف الشُّروط التَّطبيقيَّة للمرشَّحات لهذه النجوميَّة، وإزاء ذلك ووفْقَ قناعتي المتواضعة، أجد في مواقف أطوينه ما يحظى بالتَّفرُّد.

•لقد تمنيتُ أن تحظى هذه المرأة بجائزة العمر لو كانت هناك جائزة تقديريَّة مخصَّصة لامرأة يرتفع موقفها إلى حد التَّفاني.

•كانت أطوينه جارتنا تستعين بي لنقلِ الكرسي الوحيد الَّذي يمتلكونه وتُشير عليَّ أن أضعَه بمحاذاة جدار باب منزلهم على الرصيف الخارجي، بَيْنَما تَقود زوجها بحذر شديد؛ لِكَيْ تُقعدَه على الكرسي عصرًا حتَّى غروب الشَّمس متفرجًا على ما يجري في الشَّارع، وخلال وجوده هناك كنتُ وفريق شارعنا لكرة القدم نستعين به محكّمًا.

•أنا أتحدث هنا عن المنتصف الثاني من عقد خمسينيَّات القرن الماضي.

•لقد كنتُ أحد (نجوم) الفريق المؤتمن الوحيد على الاحتفاظ بالكرة بَيْنَ مباراة إلى أخرى، وكنَّا نلجأ إلى حمدان زوج أطوينه في كُلِّ شاردة وواردة من المباراة، نقبل بالقرارات الَّتي تصدر عنه مهما كانت تسبب غضبًا لبعضنا، فلقد كان يراقبنا عن بُعد.

•زوج أطوينه كان صاحب عطاريَّة منزليَّة في سوق مدينة الناصريَّة جنوب العراق، لكن بسبب مضاعفات الربو والعجز الَّذي تسلَّل إلى قلبه استمكن المرض في جسده حتَّى أفقدَه الحركة نسبيًّا فتولَّت زوجته مسؤوليَّة الدكان نيابةً عنه، وظل برنامجها اليومي إدارته إلى ما بعد الظهر ثم تتولى بعدها شؤون المنزل، وتلبية حاجات زوجها المُقعد.

•ما أدهشني حينها، أنَّها كانت تحْلق ذقن حمدان وتنظِّم له شاربه بعناية فائقة وتمشط شعر رأسه، وتُلقي نظرةً فاحصةً على (أناقته) قَبل أن تَقوده إلى جلسته اليوميَّة وقد تضطر إلى تدثيره في الشِّتاء، وحين تكُونُ هناك أمطار تضع فوقه مظلَّة جلبتها لهذا الغرض. وأذكُر أنَّني في أحد الأيَّام، اقترحتُ عليها أن تبقيَه داخل المنزل لاحتمال سقوط المطر، لكنَّها أصرَّت على إخراجه بَيْنَما أخرجتُ أنا الكرسي وقد التَفَتَتْ لي قائلةً (حمدان يُحب المطر).

•المتكرر الآخر في هذا المشهد اليومي، أنَّها تجلس إلى جانبه تفترش الأرض عِندَما لا يكُونُ لدَيْها ما يشغلها من العمل المنزلي، تتجاذب معه الحديث في مواقف لا تخلو من الطرائف، أمَّا المدهش أنَّني لم أرَ «حمدان» يعترض على البرنامج (التَّرفيهي) اليومي الَّذي ترسمه له. •كان يتصرف باستسلام لكُلِّ الخطوات الَّتي تقتضيها إدارة ذلك البرنامج.

•لقد اقترحوا عليها إيداعه في ردهة المستشفى الوحيد في المدينة وكانت الردهة تُسمَّى (العزل)، مخصَّصة للمرضى الميؤوس شفاؤهم فاستجابت للمقترح مضطرةً، غير أنَّها عادت بعد ثلاثة أيَّام وأخرجَتْه على مسؤوليَّتها مع أدويته بعد أن اشتكى لها بمرارة من قسوة الوحشة الليليَّة الَّتي كان يعاني منها وسط أنين مرضى آخرين. أمَّا ختام المشاهد الَّتي كنتُ على بَيِّنَةٍ منها يوم تُوفِّي «حمدان»، فقد ظلت صامتة تمامًا بَيْنَما كان الحزن يجللها، وأدارت كُلَّ مقتضيات الجنازة في مشاركة فاعلة، ورافقت المشيعين حتَّى مثواه قبل الأخير، وفي اليوم الثاني من وفاته جلست على ذات الكرسي في ذات المكان الَّذي كنتُ أركنُه فيه، وأخذتْ تتلقى التَّعازي لمدَّة ثلاثة أيَّام في (مراسم عزاء) لم تألفْه المدينة قط.

•للعلم، أطوينه (من الطين)، اسم تصغير شائع في جنوب العراق يُطلق على المواليد الخدج.

عادل سعد

كاتب عراقي

[email protected]