تتحرك خريطة التَّنافس بَيْنَ الدول في اتِّجاه جديد يضع الإنسان في مركز المعادلة، إذ لم تَعُدِ المقاييس التَّقليديَّة كحجم النَّاتج القومي أو عدد المشاريع الكبرى كافية لتحديد موقع الدول في المشهد العالمي، وأصبحت معايير جديدة على رأسها جودة الحياة من أهمِّ المؤشِّرات، والأكثر تأثيرًا في قراءة قوَّة المُجتمعات وقدرتها على بناء استقرار طويل الأمد، حيثُ يكشف هذا التَّحول عن وعي متنامٍ لدى الشَّعوب والحكومات بأنَّ رفاه الفرد يُمثِّل جوهر التَّنمية الحديثة، وأنَّ قوَّة الدَّولة باتتْ تقاس بقدرتها على خلق بيئة يشعر فيها المواطن والمُقِيم بالأمان والطمأنينة، وتوازن تكاليف الحياة وجودة الخدمات. وتتَّسع أهميَّة هذا المعيار مع صعود الاقتصادات الَّتي تراهن على رأس المال البشري كركيزة للنُّمو؛ لأنَّ جودة الحياة أصبحت عنصرًا استراتيجيًّا يحدِّد قدرة الدول على اجتذاب الكفاءات والاستثمارات وبناء مستقبل يناسب طموح الأجيال الجديدة، ما يجعل قراءة المؤشِّرات العالميَّة مرتبطة بفَهْمٍ أعمق لطبيعة التَّحوُّلات الَّتي تحكم مسار التَّنمية اليوم.
ويتأكد هذا التَّحوُّل عِندَما نقرأ نتائج التَّقارير العالميَّة، خصوصًا الَّتي تعتمد على تقييمات السكَّان بصورة مباشرة؛ لأنَّ هذه المنصَّات تكشف طبيعة التَّجربة المعيشيَّة من داخل المُجتمعات نفسها، وتضع رأي الإنسان في صدارة المؤشِّرات.
ويأتي تصدُّر سلطنة عُمان لمؤشِّر جودة الحياة الصَّادر عن منصَّة (Numbeo) لعام 2025 كأحَد أهمِّ النماذج الَّتي تعكس هذا المسار، بعدما حصلت السَّلطنة على أعلى درجة في آسيا والشَّرق الأوسط من خلال تقييمات السكَّان الَّذين سجَّلوا تجربة يوميَّة يشعرون بها في تفاصيل حياتهم، كما يكشف هذا الإنجاز عن نموذج مختلف في إدارة الاستقرار المُجتمعي، حيثُ تتقدم السَّلطنة برصيد بلغ (215.1) نقطة تفوَّقتْ به على دول الخليج والمنطقة، ما يعكس ثقة واسعة في بيئة معيشيَّة تعتمد على الأمان وتوازن تكاليف الحياة وجودة الخدمات الصحيَّة والبنية الأساسيَّة. ويعطي هذا التَّصنيف صورة أوضح عن طبيعة التَّحوُّلات الَّتي تشهدها السَّلطنة؛ لأنَّ رأي النَّاس يُمثِّل الشَّاهد الأصدق على نجاح السِّياسات الَّتي تضع الإنسان في مقدِّمة أولويَّات التَّنمية.
ولِكَيْ تكُونَ الصورة أكثر وضوحًا، يَجِبُ علينا أوَّلًا عِندَما ننظر إلى هذا التَّصنيف، أن ننظرَ من الدَّاخل العُماني نفْسه؛ لأنَّ انعكاسه على الحياة اليوميَّة يفسِّر لماذا اتَّجهتْ تقييمات السكَّان نَحْوَ الثِّقة العالية في البيئة المعيشيَّة داخل البلاد، حيثُ يُشكِّل الاستقرار المُجتمعي الَّذي تتميَّز به السَّلطنة حجر الأساس في هذه التَّجربة، إذ يعيش النَّاس في منظومة هادئة تمنحهم مساحة واسعة للعمل والتَّعلم والتَّنقل دُونَ توتُّر أو ازدحام أو ضغوط حياتيَّة متقلبة، كما تتحرك الخدمات الصحيَّة في الاتِّجاه نفْسه عَبْرَ شبكات طبيَّة تمتدُّ من المُدن الكبرى إلى المناطق البعيدة، بَيْنَما تعمل البنية الأساسيَّة على توفير مستوى ثابت من الجودة في الطُّرق، والاتصالات، والخدمات العامَّة، ما يصنع مزيجًا ينعكس مباشرة على الشُّعور بالأمان والطمأنينة. ويضيف المناخ البيئي منخفض التَّلوُّث عنصرًا آخر لهذه التَّجربة؛ لأنَّ الإنسان يعيش في بيئة تسمح له بالعمل والإنتاج دُونَ عبء صحِّي أو نفْسي، ناهيك عن جودة التَّعليم، وما يشعر به المواطن والمُقِيم من أمنٍ وأمان، لِتقدِّمَ هذه العوامل مُجتمعة تفسيرًا طبيعيًّا لارتفاع المؤشِّر. فالتَّنمية المتوازنة الَّتي تراعي تفاصيل الحياة اليوميَّة تمنح السَّلطنة موقعًا متقدِّمًا لا يعتمد على الدِّعاية، وإنَّما على واقع يلمسه النَّاس في كُلِّ خطوة.
إنَّ التَّصنيف المتقدم الَّذي حقَّقته سلطنة عُمان في جودة الحياة يحمل أثرًا اقتصاديًّا، يتجاوز حدود الصورة الاجتماعيَّة؛ لأنَّ الأسواق العالميَّة باتتْ تنظر إلى رفاه الإنسان باعتباره مؤشِّرًا مباشرًا على جاهزيَّة الدَّولة لاستقبال الاستثمارات طويلة الأمد. ومن هذا المنطلَق يضع التَّصنيفُ السَّلطنةَ في موقع يمنحها أفضليَّةً واضحة أمام الشَّركات الَّتي تعتمد في نُموِّها على استقرار فِرق العمل وتوافر بيئة معيشيَّة مريحة تدعم الإنتاجيَّة وتقلِّل تكاليف التَّشغيل، وتستفيد القِطاعات الصَّاعدة مثل التَّكنولوجيا والاقتصاد الأخضر والخدمات اللوجستيَّة من هذا المناخ الَّذي يتيح للشَّركات التَّوسع بثقة أعلى، إذ يجد المستثمِر في السَّلطنة مزيجًا من الأمان وتوازن تكاليف الحياة والبنية الأساسيَّة المتماسكة، وهو مزيج يصعب تكراره، لِيتحولَ هذا الواقع إلى رافعة حقيقيَّة تدعم تنفيذ مستهدفات رؤية «عُمان 2040»؛ لأنَّ الدول الَّتي تتمتع بجودة حياة مرتفعة تمتلك قدرة أعلى على تحويل الاستقرار الاجتماعي إلى قِيمة اقتصاديَّة تضيف زخمًا جديدًا للنُّمو وتُعِيد رسم موقعها في الخريطة الإقليميَّة.