الخميس 12 مارس 2026 م - 22 رمضان 1447 هـ
أخبار عاجلة

عندما يتحرك الإجرام بلا حساب

عندما يتحرك الإجرام بلا حساب
الثلاثاء - 02 ديسمبر 2025 09:39 ص

إبراهيم بدوي

10

رغم الحديث عن الهدنة الَّتي شهد عليها قادة العالم، إلَّا أنَّ الإجرام الصهيوني يأبى أن تهدأ الأوضاع، فالأحداث الَّتي تتزاحم في الضفَّة المحتلَّة وغزَّة المحاصَرة المدمَّرة وفي سوريا المستباحة، لا يُمكِن فصلها عن بعضها؛ لا لأنَّ المُجرِم واحد فقط، لكن لأنَّ المشهد يحمل خيطًا واحدًا يؤكد أنَّ الاحتلال الصهيوني يدير المنطقة عَبْرَ منظومة قوَّة لا تواجه أيَّ مساءلة، ما يجري في الشَّوارع الفلسطينيَّة في الضفَّة المحتلَّة تحوَّل إلى نمط ثابت من الاقتحامات وهدم البيوت، وسوء معاملة الأهالي، واعتداءات قطعان المستوطنين الَّتي تتحرك في حماية كاملة من جيش الاحتلال الَّذي يفرض واقعًا جديدًا كُلَّ يوم، واقع يؤكد قَبل إجرام المحتل، على أنَّ القانون الدولي فقَدَ قدرته على ردع أيِّ سلوك، حتَّى وإن كان هذا السلوك باعتراف مؤسَّسات أُمميَّة لا تملك إلَّا أن تدين وتستنكر، لِنذهبَ في مشهد عبثي، يتكرر مع تكرار الانتهاكات، حيثُ تتآكل الحدود بَيْنَ الفعل الفردي والسياسة المنظّمة، ويتحوَّل العنف والإرهاب إلى أداة تستخدم بلا تردد في بيئة إقليميَّة مشغولة بصراعاتها الداخليَّة، وعالميَّة تتواطأ مع المُجرِم أو تصمت، ومؤسَّسات أمنيَّة لا تملك إلَّا العويل، الَّذي لا يغيِّر من الواقع الميداني في شيء، ما يفتح الباب لتكريس وضع ترى فيه القوَّة المتغطرسة نفسها فوق أيِّ مساءلة، ويجد فيه الفلسطيني أو العربي عمومًا نفسه أمام منظومة كاملة تعمل على انتزاع حياته وحقِّه في الأمن بشكلٍ يومي.

أجدُ نفسي ـ كُلَّما أتابع تفاصيل المشهد اليومي في الضفَّة وغزَّة وجنين ـ واقفا أمام سؤال طبيعي وهو: كيف تمكَّن الاحتلال من تحويل الإجرام والإرهاب والإبادة، وانتهاك السيادة، إلى فعل عادي لا يثير صدمة العالم؟ فالمتابع للأحداث يوميًّا يدرك أنَّ المسألة تعدَّت كونها، فالتَّراكم يكشف أنَّ منظومة القوَّة الصهيونيَّة تتحرك بوعي كامل لغياب أيِّ رادع. فقد كانت سابقًا تسعى إلى اختبار حدود الصمت الدولي في كُلِّ خطوة كانت تخطوها، أمَّا اليوم فالملاحظ أنَّها تعربد بدون أيِّ منطق، عربدة الَّذي لا يخشى العقاب، هذا الشُّعور يزداد كُلَّما ظهرت الأرقام القادمة من الوكالات الأُمميَّة، الَّتي تصف ما يجري وتوثِّقه وتتركه معلقًا في الهواء، بَيْنَما يواصل الاحتلال توسيع مساحة البطش والقتل دون خشيَّة أيِّ ردِّ فعل. فالمتابع العربي يعيش هذا التَّناقض بمرارة؛ لأنَّه يرى الضحايا في الميدان ويرى المؤسَّسات في نيويورك وجنيف تكتفي بالبيانات، هذا الانفصال بَيْنَ الواقع والتَّوصيف خلق شعورًا بأنَّ الفلسطيني يُترك وحيدًا في مواجهة منظومة مدروسة، وأنَّ كُلَّ جريمة جديدة تُرتكب بطمأنينة تعكس قناعة لدى المحتل بأنَّ أحدًا لن يوقفه، ما يجعل الأزمة أعمق من حدود الجغرافيا الفلسطينيَّة، ويدفع كُلَّ مراقب نَحْوَ قراءة الأحداث؛ باعتبارها تحوُّلًا خطيرًا في طبيعة الصراع نفسه، وسأتخطى الصراع وأؤكد أنَّ ما يحدُث سيكُونُ له تأثير على مستقبل العالم أجمع. فالكيان الصهيوني ـ بعربدته غير النظاميَّة وإرهابه ـ يضع أساسًا لقواعد جديدة، سوف يسعى الجميع إلى امتلاك أدواتها.

وحتَّى لا نكُونَ جزءًا من العويل، وشرح ما هو معروف بالطبيعة، علينا أن نوحِّد رؤيتنا في قواعد ثابتة، لقد استطاع هذا الكيان الإرهابي أن يضع قواعد ثابتة من فوضى وقتل ودمار يطول الجميع، فيَجِبُ ألَّا نرى الصورة في غزَّة من زاوية مختلفة، فالأزمة صارت عنوانًا لمرحلة جديدة يتعامل فيها الاحتلال مع التَّجويع كأداة تنفيذيَّة لا تقلُّ فاعليَّة عن السلاح! هناك آلاف الأطفال الَّذين أعلنت عنهم المنظَّمات الدوليَّة يعانون من سوء تغذية حادٍّ داخل ما يُمكِن وصفه بمختبر إنساني مفتوح، تتراكم فيه الأمراض وينهار فيه الحدُّ الأدنى من شروط الحياة، بَيْنَما تقف المساعدات على الحدود تحت رحمة حسابات القوَّة، وهو ما يكشف أنَّ الاحتلال يُعِيد هندسة الصراع بالكامل عَبْرَ استهداف المُجتمع الفلسطيني من جذره، مستفيدًا من غياب أيِّ قدرة دوليَّة على فرض قواعد تحمي المَدَنيين.. الأخطر أنَّ ما يجري في غزَّة لا يحدُث بمعزل عن الضفَّة أو جنين؛ لأنَّ البنية الَّتي تدير العنف واحدة، والمنطق واحد، والأسلوب واحد، وهو القوَّة المطلقة الَّتي لا تسأل عن العاقبة. فالاندماج بَيْنَ أدوات البطش من قصف وتجويع وحرمان، وقتل ميداني خارج إطار القانون، بل وتقنين القتل أحيانًا بقوانين نراها جميعًا تصدر يوميًّا، يعكس بدقَّة كيف تتحول حياة الفلسطيني إلى ساحة قرار عسكري، وكيف تتراجع قِيمة الإنسان كُلَّما توسَّعت مساحة القوَّة الَّتي يمنحها العالم للاحتلال من دون قيد.

يتأكد هذا التَّحوُّل عندما تمتدُّ عربدة القوَّة الصهيونيَّة خارج فلسطين نفسها، لِتصلَ إلى الأراضي السوريَّة، الَّتي تعرضت في الأسابيع الأخيرة لاعتداءات لم تَعُدْ تخضع حتَّى لخِطاب التَّبرير المعتاد، وكأنَّ الاحتلال يختبر حدود الفراغ الدولي، وذلك انطلاقًا من قاعدة مَن يمتلك القوَّة من دون محاسبة سيبحث دائمًا عن مساحة جديدة يفرض عليها منطقه، وهو ما يدفع المنطقة نَحْوَ معادلة خطيرة تتراجع فيها قِيمة السيادة، وتتصدر فيها القوَّة الثقيلة كمحدِّد وحيد لمسار السياسة. والأخطر ـ من وجهة نظري ـ أنَّ هذا السُّلوك لا يبقى داخل حدود الشَّرق الأوسط؛ لأنَّ العالم كُلَّه يتأثر عندما تتحول الجريمة إلى قاعدة دوليَّة جديدة، ويصبح التَّغوُّل العسكري وسيلة معترفًا بها لإدارة التَّوازنات، ونعود مرَّة أخرى لعصر الاحتلال المباشر والاستعمار المنظَّم، وهو ما سيهدِّد بنقل الفوضى من الإقليم إلى النظام العالمي نفسه، ويضع العالم أمام نموذج يَقُوده كيان يمتلك أدوات بطش واسعة من دون أيِّ رقابة. ومن هنا تتحول مسؤوليَّة قراءة المشهد إلى ضرورة سياسيَّة؛ لأنَّ تجاهل هذا الانفلات لن يوقفه، ولأنَّ المنطقة والعالم يتَّجهان نَحْوَ مرحلة تتشكل فيها قواعد جديدة، سيجد الجميع أنفسهم مضطرين للتَّعامل معها مهما كانت كلفتها، ما يمنح هذا الكيان الإرهابي مساحة أوسع لصياغة مستقبل يخصُّه، هو ومَن سيمضي في طريقه، ويعلم أنَّ القوَّة والإرهاب هما أدوات العصر الجديد، ما دام لا يجد مَن يضع له حدًّا.

إبراهيم بدوي

[email protected]