دخلت سلطنة عُمان عصر الهيدروجين الأخضر عَبْرَ رؤية سامية صاغها حضرة صاحب الجلالة السُّلطان هيثم بن طارق المُعظَّم ـ حفظه الله ورعاه ـ، وهي رؤية تضع الطاقة المُتجدِّدة في قلب المشروع الوطني الَّذي يُعِيد رسم ملامح الاقتصاد خلال العقود القادمة، حيثُ تقدَّمت الحكومة خطوات محسوبة، بدءًا من التخصيص والتشريع وطرح المشروعات، وصولًا لمرحلة الإسناد، ما يعكس فهمًا عميقًا لطبيعة التحوُّل العالمي، ودَوْر الهيدروجين الأخضر كمسار استراتيجي، وبوَّابة لمصادر طاقة نظيفة تفتح آفاقًا واسعة للتنويع الاقتصادي والاستثماري المأمول، حيثُ يمنح الاقتصاد قدرة أعلى على مواجهة تقلُّبات الأسواق التقليديَّة. ولعلَّ أهمَّ ما يميِّز هذا المسار تلك الجهود الَّتي تسعى نَحْوَ بناء قِطاع طاقة جديد يرتكز على موارد مُتجدِّدة وفيرة، وبنية تنظيميَّة جاهزة، وتكامل بَيْنَ المؤسَّسات الحكوميَّة والقِطاع الخاص، ما يجعل هذا الملف امتدادًا طبيعيًّا لطموح عُماني يبحث عن موقع متقدم في خريطة الطاقة العالمي، وتُقدِّم سلطنة عُمان هذا التحرك كجزء من مشروع تنموي طويل المدى يربط بَيْنَ الاستدامة والقدرة التنافسيَّة، ويضع الاقتصاد الوطني أمام مرحلة أكثر نضجًا واتساعًا، تفتح آفاق جديدة للمستقبل تؤدي إلى الانعتاق من النفط كمصدر رئيس، وحتَّى لا يبقى الاقتصاد الوطني رهينة لتقلُّبات أسعاره. من هذا المنطلق تأتي أهميَّة البرنامج التمهيدي لقمَّة عُمان للهيدروجين الأخضر 2025، حيثُ يكشف البرنامج عن مرحلة جديدة تتقدم فيها السَّلطنة بثقة، إذ جمعت وزارة الطاقة والمعادن في هذا الحدث المنتدى الخليجي الأوروبي للهيدروجين الأخضر، وملتقى قيادات الطاقة في مساحة واحدة، لِيظهرَ المشهد كمنصَّة تؤكِّد جاهزيَّة السَّلطنة للتحرك في قلب التَّحوُّل العالمي نَحْوَ الطاقة النظيفة. ويتميَّز اللقاء بطابع عملي قائم على النقاشات المتخصِّصة، والحوارات الَّتي جمعت صنَّاع القرار والخبراء، ما أتاح قراءة أعمق لآفاق الشراكات الدوليَّة وقدرتها على دعم خطط السَّلطنة في بناء اقتصاد منخفض الكربون، كما يبرز هذا البرنامج كخطوة تؤسِّس لحضور عُماني مؤثِّر داخل هذا القِطاع، إذ يعكس مستوى التنظيم، وحجم الحضور، ونوعيَّة الجلسات، مدى استعداد السَّلطنة لتحويل خطط الهيدروجين الأخضر إلى مشروعات واقعيَّة، بالإضافة إلى أنَّ هذه الفعاليَّات تُقدِّم رسالةً واضحة بأنَّ البلاد تتحرك وفْقَ جدول زمني دقيق يجعل من القمَّة امتدادًا لمشروع وطني يزداد رسوخًا مع كُلِّ محطَّة جديدة. إنَّ مثل تلك الفعاليَّات تؤكِّد أنَّ بناء المنظومة الوطنيَّة للهيدروجين تتقدم بخطوات عمليَّة تكشف حجم العمل المؤسَّسي الَّذي تَقُودُه السَّلطنة، حيثُ شهدت الفعاليَّة استعراض محاور الاستراتيجيَّة الوطنيَّة للطاقة الَّتي تشمل الطاقة المُتجدِّدة، والهيدروجين الأخضر، وكفاءة الطاقة، والتنقل الكهربائي، وتقنيَّات التقاط الكربون وتخزينه، وهي محاور تُشكِّل إطارًا متكاملًا لاقتصاد منخفض الانبعاثات. وتتعزَّز هذه الرؤية بتأسيس شركة (هايدروم) لقيادة تطوير القِطاع، وتطوير الأنظمة والتشريعات، وتبسيط التراخيص، وتنفيذ مختبرات الجاهزيَّة بالتعاون مع مؤسَّسات حكوميَّة وخاصَّة، إلى جانب توقيع مذكّرات تفاهم مع جامعات محليَّة ودوليَّة لدعم البحث والابتكار وبناء القدرات، وتبرز محطَّة الهيدروجين الأخضر للمركبات في محافظة مسقط كإشارة عمليَّة على جاهزيَّة التقنيَّات وقدرة سلطنة عُمان على الانتقال من مرحلة التخطيط إلى التنفيذ، كما يعكس هذا التقدُّم قدرة الدَّولة على صياغة منظومة طاقة حديثة تجمع بَيْنَ البحث العلمي والبنية التشريعيَّة والمحفِّزات الاستثماريَّة، في مسار يرسِّخ موقع عُمان في الصناعات المستقبليَّة للطاقة النظيفة. كُلُّ ما سبق يؤكِّد أنَّ المشهد الاستثماري للهيدروجين الأخضر في سلطنة عُمان يتقدم عَبْرَ منظومة ماليَّة وتشريعيَّة، تبعث برسائل واضحة إلى الأسواق العالميَّة حَوْلَ جديَّة المشروع وقابليَّته للنُّمو، إذ أسهمتِ المزايدات التنافسيَّة للأراضي ذات الموارد المُتجدِّدة العالية في تعزيز ثقة المستثمرين، بعد أن وحّدت قواعد الطرح ووفّرت بيئة تنظيميَّة أكثر وضوحًا، كما تدعم الحوافز الضريبيَّة والتسهيلات التشغيليَّة الَّتي أُقرَّت في المراحل الأولى للإنتاج قدرة الشركات على بدء أعمالها بوتيرة أسرع، بَيْنَما أسهمت جهود تطوير البنية الأساسيَّة المشتركة لشبكات الكهرباء وأنابيب الهيدروجين والمياه في تخفيض التكلفة الإجماليَّة للمشروعات، كما تقف تسع اتفاقيَّات تطوير بإنتاج مستهدف يتجاوز مليون طن من الهيدروجين الأخضر بحلول عام 2030 كشاهد على قدرة السَّلطنة في تحويل هذا القِطاع إلى منصَّة اقتصاديَّة جاذبة لرؤوس الأموال العالميَّة. ويعطي هذا التوسُّع الاستثماري انطباعًا قويًّا بأنَّ الاقتصاد العُماني يتحرك باتِّجاه أسواق الطاقة الجديدة بثقة، معتمدًا على أدوات عمليَّة تُعِيد تعريف علاقة الدَّولة، وتفتح الباب أمام مرحلة أوسع من النشاط الصناعي المرتبط بالطاقة النظيفة.