يفتح الصراع الأميركي ـ الصيني المتصاعد حَوْلَ الذَّكاء الاصطناعي المجال لاحتدام التنافسيَّة بَيْنَ الغريمين والَّتي تشمل مستوى الأفكار والابتكار وصولًا إلى مستوى السيطرة على البنية الأساسيَّة الحسابيَّة، الأمر الَّذي أوجدَ سباقًا محمومًا على بناء مراكز بيانات في جنوب شرق آسيا، وتفتّت سلاسل الإمداد العالميَّة وتعدُّد القنوات الوسيطة إلى جانب نشوء فرص استثماريَّة غير مسبوقة في الطاقة والحوسبة والتجهيزات التكنولوجيَّة.
فقد دفع تصعيد القيود الأميركيَّة على التكنولوجيا الصينيَّة، واتِّجاه الشركات الصينيَّة لتدريب نماذج الذَّكاء الاصطناعي في الخارج إلى تحوُّل دوَل جنوب شرق آسيا إلى ملاذ حسابي، حيثُ إنَّ الشركات الصينيَّة تبحث عن مراكز بيانات خارج نطاق القيود الأميركيَّة، وفي دوَل ليست ملتزمة بالكامل بالعقوبات مثل سنغافورة، وماليزيا وفيتنام وإندونيسيا والَّتي تشهد اندفاعًا كبيرًا من الشركات لإنشاء أو استئجار قدرات حوسبة فائقة لتدريب نماذج الذَّكاء الاصطناعي، الأمر الَّذي يعزز طلبًا غير مسبوق على مراكز البيانات الضخمة، ويحتاج حوافز مثل طاقة كهربائيَّة رخيصة ومتجددة وشبكات ألياف بصريَّة عالية الاعتماديَّة وتراخيص سريعة لبناء مراكز بيانات وتعزيز الشراكات، خصوصًا وأنَّ الشركات الصينيَّة تحجز موارد حسابيَّة في الخارج لسنوات مقدمًا، فيما ترد الشركات الأميركيَّة مثل ميتا وجوجل ومايكروسوفت بزيادة سعة مراكزها في المنطقة لمنع فقدان الحصَّة السوقيَّة.
ومع التطور المستمر للذَّكاء الاصطناعي لم يَعُدِ الابتكار وحده يكفي؛ بل أصبح مَن يملك قدرة تدريب الكيانات العملاقة هو الطرف المسيطر، الأمر الَّذي أوجد سلسلتين عالميتين للحوسبة سلسلة بقيادة الولايات المتحدة وحلفائها، وسلسلة أخرى بقيادة الصين وشركات آسيويَّة، وهذا يخلق تفتتًا واضحًا في توريد الشرائح، وبناء مراكز البيانات وخدمات التدريب السحابي والبنية الأساسيَّة للاتصالات، فيما تلجأ الصين إلى شركات في سنغافورة وماليزيا لإدارة الحوسبة بدلًا عنها، كما يفتح ذلك فرصًا لمزوِّدين يستأجرون شرائح من أطراف ثالثة.
وتتيح هذه التنافسيَّة فرصًا هائلة في قِطاع مراكز البيانات مثل بناء مراكز جديدة بطاقة ضخمة والاستثمارات في الطاقة المتجددة لدعم تشغيلها وتطوير شبكات ألياف بصريَّة وبرمجيَّات لإدارة الموارد الحسابيَّة، وشركات تنسيق وتنظيم عمليَّات التدريب عَبْرَ الحدود وشركات ناشئة تقدّم حوسبة حسب الطلب، فضلًا عن حلول الأمن السيبراني العابرة للحدود وغيرها فهذه فرص استثمار للمستقبل.
هيثم العايدي
كاتب صحفي مصري