أُولى ملاحظات الخبراء الغربيين عندما يستقدمون إلى المدينة الخليجيَّة هي أنَّها حاضرة تُعاني من ازدواجيَّة: فهي مدينة لا تنقصها الشوارع الحديثة الجميلة، ولا تنقصها ناطحات السحاب، بل (والآن) لا تنقصها مَركبات الأُجرة (التاكسيات) الطائرة! هي مدينة حديثة أو متشبثة بــ»الحداثة» إلى أبعد الحدود؛ ولكنَّها تُعاني من أزمة أو (شرخ) الازدواجيَّة؛ لأنَّ سكَّانها ما زالوا بدوًا يحملون قِيَم البداوة ويتعاطون بها، بِغَضِّ النَّظر عن البنى الحديثة المنظورة عينيًّا.
لهذه الأسباب عدَّ أحَد المستشرقين المدينة الخليجيَّة مُخيَّمًا بدويًّا واقعًا في قلب البوادي الجرداء، إذ إنَّها ما زالت مدينة يحكمها «مجلس القبيلة» حسب المصطلح الَّذي وصف به عرب قبائل ما قَبل الإسلام. لذا، جاء تقديم «الديوانيَّات» (حسب اللفظ الخليجي)، أو المضايف (حسب اللفظ العراقي) على جميع «الطوارئ» من بنايات حديثة أو حداثيَّة. فهذه المجالس هي الأصل (صاحبة اليد العُليا) في البناء الاجتماعي السائد في مُدن تغمر رؤوسها في مياه الخليج الفاترة الحرارة، بَيْنَما تمدُّ أقدامها في أعماق الصحراء لِتدفنَها كثبان الرمال المتحركة الَّتي تقضم ضواحيها الحديثة كُلَّ يوم شيئًا فشيئًا على سبيل ابتلاع هذه الضواحي بالتدريج، ثم هضم كُلِّ ما هو حضري عَبْرَها باتِّجاه ناطحات السحاب المستزرعة في الوسط التجاري لهذه المدينة المعذَّبة لِتشكِّلَ شرخًا بَيْنَ حقبة زائلة، وحقبة جديدة عصيَّة على أن تولد !
اسأل النُّخب الثقافيَّة عن هذا الشرخ الموجع برغم تطلُّعها إلى حضارة أفضل تواكب مَسيرة العصر نَحْوَ الحداثة العقلانيَّة الموائمة للبنى الحديثة الملموسة، من مطارات عظمى وأبراج زجاجيَّة شاهقة تناطح السحاب وتصدُّ «سموم» الرياح الجافَّة الَّتي تغسل أبنيتها من آنٍ لآخر، تذكيرًا بأنَّ البنى الاجتماعيَّة الغائرة بالقِدم هي الَّتي تهزم البنى الحديثة الَّتي يتشبث بها الإنسان المديني الخليجي هذا اليوم.
أ.د. محمد الدعمي
كاتب وباحث أكاديمي عراقي