الخميس 02 أبريل 2026 م - 14 شوال 1447 هـ
أخبار عاجلة

فـي بلاد «مانديلا» .. «إما أن تكون حرا أو لا تكون» «٥ـ٧»

فـي بلاد «مانديلا» .. «إما أن تكون حرا أو لا تكون» «٥ـ٧»
السبت - 29 نوفمبر 2025 09:36 ص

سعود بن علي الحارثي

30

ثالثًا: «المدينة النائمة في أحضان تيبل». 3

لليوم الثاني من المُضي الحثيث في تنفيذ برنامجنا المزدحم بزيارة المعالم السياحيَّة، قاد الابن محمد السيَّارة الَّتي استأجرناها من المكتب السياحي بمطار «كيب تاون»، متوجِّهين إلى أحد أهم المواقع البحريَّة والطُّرق المائيَّة الاستراتيجيَّة على مستوى العالم، الرأس الصخري المعروف بـ»الرجاء الصالح»، و «أبو «القلعة الصخريَّة»، في اليابسة الَّذي يقع على ساحل المحيط الأطلسي، لشِبه جزيرة «كيب»، في جنوب إفريقيا الَّتي تتمتع بامتياز إطلالات مُدنها وأراضيها على شواطئ ممتدَّة لمئات الكيلومترات على المحيطين «الهندي»، و»الأطلسي»، ما جعل منها بلدًا خصبًا بمشاهد ومفردات الطبيعة الخلابة ومواقع جذب سياحي مذهل لا مثيل له، يقصدها الملايين سنويًّا لاستكشاف أجمل المناظر وأكثرها إلهامًا والتعرف على رأس الرجاء الصالح، ومنطقة التقاء المحيطين والنقطة الَّتي تعرف بنهاية اليابسة في القارَّة الإفريقيَّة، هذا فضلًا عن الاستجمام في الشواطئ الفضيَّة والجزر الفاتنة... موقع الرأس الصخري «الرجاء الصالح»، يُشير إلى المنطقة الفاصلة الَّتي يتحول فيها مسار السفن من الجنوب إلى الشرق، وقد حقق الملاح البرتغالي «بارتولوميودياس»، إنجازًا كبيرًا في عام ١٤٨٨م، باكتشافه لهذا المسار البحري المُهمِّ، فهو أوَّل بحَّار أبحر في رأس الرجاء الصالح، محْدثًا تحوُّلًا لصالح القوَّة البرتغاليَّة الَّذي مكَّنها هذا الاكتشاف من إنشاء روابط تجاريَّة مع «الشرق الأقصى»، حيثُ أشارت كتُب التاريخ باستفاضة إلى ذلك الحدَث الكبير، فعندما «اقترب المستكشف البرتغالي «بارتولوميودياس»، من اليابسة الوعرة في شِبه جزيرة كيب بجنوب إفريقيا عام ١٤٨٨م، كان أوَّل أوروبي يفتح الطريق البحري من أوروبا إلى آسيا»، ما حفَّز الملك البرتغالي «جون الثاني» على إطلاق اسم «الرجاء الصالح» على الرأس الصخري، بدلًا من القديم «رأس العواصف»؛ ابتهاجًا وتفاؤلا بالاكتشاف المذهل... وتوافقًا مع لحظة الزيارة، وتجاوبًا مع مشاركتي عنها في حسابي على «الفيس بوك»، بعَث لي الدكتور محمد بن سالم الحارثي، أبياتًا من قصيدة لشاعر الشرق، الشيخ أحمد بن عبدالله بن أحمد الحارثي، يتناول فيها أمجاد العُمانيين وتاريخهم الحضاري ووصول أساطيلهم البحريَّة المحرِّرة والمطاردة للمستعمِر البرتغالي إلى أعالي المحيطات والبحار... وكم سعدتُ بها وواصلتُ إسماع أفراد أُسرتي محتواها مرَّات؛ لِمَا أثارتْه من مشاعر الفخر لأمجاد العُمانيين التاريخيَّة، ومقارنتها بحاضر الأُمَّة وما تشهده من ضعف وهوان، مسقِطًا إنجازات الماضي بأحداث الحاضر وواقع «غزَّة»، نموذجًا له، «وسمت فقرن الشمس من أبراجها .. وعلت فخر لها جبين المشترى .. أيَّام نزوى في سماء فخارها .. تعنوا لقلعتها رقاب الأعصر .. قادت أعنتها عواصم ما ثنى .. رأس الرجاء إلى الجنوب المقفر». وفي قصيدة أخرى يُشير في المعنى ذاته «وأعلامهم رفرفت في ذرى .. سماء الرجاء الصالح الأبعدا»... في طريق عودتنا كان المرور لزامًا لزيارة شاطئ «بولدرز»، الَّذي يضمُّ مستعمرة بطاريق «بولدرز»، وهو من المواقع السياحيَّة الأبرز في «كيب تاون»، الَّذين يتمكن السيَّاح فيه من الاقتراب من البطاريق والتقاط الصور المثيرة معها، فضلًا عمَّا يتميَّز به الشاطئ من رمال بيضاء ناعمة أشبه بالطحين، وصخور الجرانيت الضخمة الَّتي تحمي البطاريق من الرياح العاتية والأمواج العاصفة الَّتي تتميز بها المنطقة.. وتُمثِّل المحميَّات الطبيعيَّة ورحلات السفاري، هي الأخرى مقصدًا أساسيًّا للسيَّاح، وجذبًا ذا قِيمة عالية في خريطة المشهد السيَّاحي بجنوب إفريقيا وما أكثرها وأغزرها في البلد المحتشد بما يثير الفضول والإعجاب والإبهار، وهي في الوقت ذاته فرصة لا تفوت للعيش مع عالم الحيوان المُلهِم والاستمتاع ببذخ الطبيعة وفتنتها، فكان اليومان اللَّذان عشناهما في المحميَّتين «بتولير سكوب»، و»تسيتيكاما الوطني»، مليئين بالحماس والشَّغف يفيضان بالمعرفة والفوائد الَّتي تغني الإنسان بمنافع الحياة ومخلوقاتها، وبرفقة سباع الأرض وطيورها وحيواناتها وأشجارها وزهورها الَّتي تميَّزت بالغنى في التنوع الهائل نوعًا وشكلًا ولونًا وسلوكًا، حيثُ تعيش بكُلِّ حُريَّة، كائنات ومخلوقات لا حصر لها تنتمي إلى الحياة البَريَّة، بدءًا من الأسد والفيل والجاموس ووحيد القرن والفهد والحمار الوحشي وفرس النهر والغزال.. وليس انتهاء بالفراشات والعصافير وما هو مثيل لها، في أوقات لا يعادلها معادل في المتعة والاندماج والشعور بعظمة الله وعُمق الإيمان بخالق الكون سبحانه وتعالى... أمَّا «فوق كيب»، الملمح السياحي الآخر في برنامجنا المزدحم، وفقًا للُّغة الأفريكانيَّة، فهو حي ماليزي دخل عالم السياحة حديثًا في مدينة «كيب تاون»، يقع على سفح جبل «سيجنان هيل»، يَعُود تاريخه إلى فترة الاستعمار الهولندي في القرن السابع عشر، بعد قيامه بترحيل الحِرفيين والمهنيين من إندونيسيا وماليزيا والهند وعدد من دول إفريقيا ـ وتحديد مكان إقامتهم بعيدًا عن السكان الأصليين درءًا للمشاكل والنزاعات الثقافيَّة ـ وتسخيرهم كأيدٍ عاملة لخدمة الاستعمار. وقد شهد الحي تجديدات وترميمات منذ العام ٢٠١٠م، فالبيوت الَّتي تصطبغ بملمح الهندسة المعماريَّة لمدينة الكيب الهولنديَّة، صبغت بألوان باستيليَّة تشي بالأناقة والتناسق، هذا فضلًا عن أزقَّتها المرصوفة بالحجارة؛ ما جعلها مقصدًا سياحيًّا بارزًا. والتقطنا صورًا تذكاريَّة لرسومات ورموز في واجهات بعض المنازل تُعبِّر عن التضامن مع القضيَّة الفلسطينيَّة، وآيات قرآنيَّة تبشِّر بالنصر، وصوَر شخصيَّات فلسطينيَّة «مروان البرغوثي»، و»إسماعيل هنيَّة»، مثالًا.. «يتبع».

سعود بن علي الحارثي

[email protected]