الخميس 02 أبريل 2026 م - 14 شوال 1447 هـ
أخبار عاجلة

في الحدث : «عمان سات1» تحول استراتيجي لبناء اقتصاد المعرفة

في الحدث : «عمان سات1» تحول استراتيجي لبناء اقتصاد المعرفة
السبت - 29 نوفمبر 2025 09:32 ص

طارق أشقر

40

تُمثِّل الاتفاقيَّة الَّتي وقَّعتها سلطنة غمان مؤخرًا مع شركة «ايرباص ديفينس آند أسبيس» الأوروبيَّة لتصميم وتصنيع وإطلاق أول قمر اتصالات عُماني باسم «عُمان سات1» تحولًا استراتيجيًّا نَحْوَ حضور البلاد بمجال اقتصاد المستقبل الرقمي بما يعزز بناء البنية الأساسيَّة الرقميَّة العُمانيَّة ويدعم استقلالها الاتصالي والاقتصادي.

يأتي ذلك في وقت لم يَعُدْ فيه فضاء الأقمار الاصطناعيَّة ميدانًا بحثيًّا فحسب، بل صناعة عالميَّة تتقاطع مع الاتصالات والطاقة والنقل والأمن الرقمي وتنعكس على قدرة الدول في بناء اقتصادات المعرفة.

وفيما تسعى سلطنة عُمان من خلال قمرها «عُمان سات1» لتأسيس بنية اتصالات فضائيَّة عُمانيَّة سياديَّة تكُونُ جزءًا من منظومة اقتصاديَّة متطورة تستند إلى توطين التكنولوجيا وامتلاك أدوات المستقبل، فإنَّ تلك الخطوة تعكس توجهًا واضحًا للاستثمار في التقنيَّات القادرة على التكيُّف مع متطلبات السوق، خصوصًا وأنَّ منصَّة «سات 1» المتقدمة من حيثُ مواصفاتها قابلة لإعادة التشكيل أثناء وجودها في المدار، مما يضاعف حسب الخبراء من القِيمة الاقتصاديَّة للقمر العُماني الجديد.

ووفْقَ ما ورد من معلومات فإنَّ هذه المنصَّة تعمل ضمن نطاق يعرف باسم نطاق «كي ايه – باند» وهو نطاق اتصالات عالي السعة يتيح نقل بيانات ضخمة بما يُسهم في تحسين خدمات الإنترنت والاتصالات الحكوميَّة والتجاريَّة، ويدعم أنشطة النقل البحري والجوي ومشاريع الربط المستمر العالي الجودة في منطقة جغرافيَّة واسعة تغطي كامل السلطنة والمياه الاقتصاديَّة وأجزاء من الشرق الأوسط وشرق إفريقيا وآسيا.

وعلى ضوء هذه المميزات التقنيَّة تتضح الأهميَّة الاقتصاديَّة للمشروع؛ كونها لا تتعلق فقط بالخدمات الَّتي سيوفِّرها القمر العُماني، بل تمتد إلى طريقة إدارته وتشغيله، حيثُ أُسندت إدارة القمر إلى شركة «أسبيس كوميونيكيشن تكنولوجي» التابعة لهيئة الاستثمار العُمانيَّة بما يعني أنَّ المشروع يُدار كأصل اقتصادي استراتيجي داخل منظومة استثمار وطني وليس مجرَّد عَقد شراء تقني مع شركة أجنبيَّة.

كما تضمنت الاتفاقيَّة إنشاء مكتب متخصص لمتابعة المشروع مع إيرباص وتطوير نظام تشغيل كامل داخل السلطنة بما يعزز تراكم المعرفة ويضمن نقل الخبرات للكفاءات العُمانيَّة في مراحل التصميم والاختبار والتشغيل، وبذلك يتحول المشروع إلى منصَّة لبناء مهارات محليَّة قادرة على قيادة مشاريع فضائيَّة مستقبليَّة مما يُعَدُّ مكسبًا اقتصاديًّا طويل الأمد.

وبذلك يؤمل من المشروع خلق فرص حقيقيَّة للمؤسَّسات الصغيرة والمتوسطة بسلسلة التوريد والخدمات اللوجستيَّة والحلول التقنيَّة الداعمة أو مراكز الاختبار والصيانة بما يعزز القِيمة المحليَّة المضافة، ويُسهم في نُموِّ قِطاع خاص مرتبط بصناعات الفضاء، ويتيح للجامعات العُمانيَّة فرصًا للتعاون البحثي مع مؤسَّسات عالميَّة كشركة إيرباص المتخصصة ذات الخبرة التراكميَّة.

وبالنتيجة هذا التفاعل بَيْنَ القِطاعين الخاص والأكاديمي يرسخ بيئة اقتصاديَّة مبتكرة ويتيح الاستثمار بقِطاع جديد مرتفع العوائد عالميًّا، فضلًا عن تعزيزه للسيادة الرقميَّة عبر قمر اتصالات وطني يُسهم بحماية البيانات الحكوميَّة والتجاريَّة، ويوفر للسلطنة قدرة تفاوضيَّة أفضل بقِطاع الاتصالات الإقليميَّة. كما أنَّ تحسين خدمات الإنترنت بالمناطق النائيَّة سيدعم الاقتصاد الرقمي والخدمات الحكوميَّة والتجارة الإلكترونيَّة، وهي عناصر تُشكِّل محورًا رئيسًا في خطط التنويع الاقتصادي.

كما تترافق هذه الخطوة مع ما تقوم به السلطنة من تطوير ميناء للفضاء بالدقم يعرف باسم «إطلاق» يؤمل أن يُشكِّلَ في المستقبل مركزًا إقليميًّا لإطلاق الصواريخ التجاريَّة، فهو مشروع آخر موازٍ يعزز من النواتج الاقتصاديَّة لقِطاع الفضاء ويمنح البلاد موقعًا مهمًّا في سوق الإطلاق الفضائي الَّذي يشهد نموًّا عالميًّا متسارعًا. بهذه الخطوات المتكاملة، تضع سلطنة عُمان نفسها على خريطة صناعة الفضاء ليس كمستهلك للتقنيَّة، بل نَحْوَ أن تصبح منتِجًا ومطوِّرًا يمتلك بنية أساسيَّة وخبرات بشريَّة قادرة على تحويل الفضاء إلى أحد محركات الاقتصاد الوطني.

طارق أشقر

[email protected]

من أسرة تحرير «الوطن»