السبت 29 نوفمبر 2025 م - 8 جمادى الآخرة 1447 هـ
أخبار عاجلة

رأي الوطن : مستقبل الصناعة الوطنية بين الرؤية والتنفيذ

السبت - 29 نوفمبر 2025 03:35 م

رأي الوطن

10


يتقدم المشهد الصِّناعي في عُمان نَحْوَ مرحلة جديدة، تتحرك فيها الحكومة بخُطى راسخة ثابتة لبناء قاعدة إنتاجيَّة أكثر رسوخًا، تكُونُ بوَّابة البلاد لِتَحقيقِ التنويع الاقتصادي المأمول. ويُشكِّل اجتماع لجنة تنمية الصِّناعات الوطنيَّة، الَّذي جمَع قيادات حكوميَّة ورموزًا من القِطاع الخاصِّ في مساحة واحدة، خطوةً مُهمِّة للعمل على تقدُّم قِطاع الصِّناعة الوطني، حيثُ تحوَّل الاجتماع إلى حلقة مفتوحة، تصنع نافذة على طريقة تفكير جديدة تتعامل مع الصناعة كقوَّة محرِّكة للاقتصاد، ما يولِّد انطباعًا بأنَّ الدَّولة تتعامل مع الصناعة؛ باعتبارها مسارًا استراتيجيًّا يُسهم في تشكيل المستقبل الاقتصادي؛ لأنَّ النَّقاشات تحرَّكت نَحْوَ فَهْمِ أسباب التعطُّل وبناء مدخلات تستطيع إعادة تشغيل عجلة النُّمو الصِّناعي، ويتَّسع هذا المعنى حين نرى كيف تتداخل قضايا مثل جاهزيَّة الفرص الاستثماريَّة، وتحسين بيئة الأعمال، وتطوير الأدوات التنظيميَّة في سياق واحد، سياق يُشير إلى رغبة فعليَّة في تصنيع اقتصاد قادر على إنتاج قِيمة حقيقيَّة داخل السوق المحلِّي.

يتضح المشهد بصورة أعمق عندما نقترب من طبيعة الملفات الَّتي ناقشها الاجتماع، حيثُ تُشير متابعة التوصيات السَّابقة إلى أنَّ الدَّولة تتحرك لإغلاق فجوة تنفيذيَّة تراكمت داخل القِطاع عَبْرَ سنوات، وتحتاج اليوم إلى معالجة دقيقة تُعِيد ضبط إيقاع هذا القِطاع الحيوي، وذلك عَبْرَ فتح مناقشة جاهزيَّة الفرص الاستثماريَّة الَّتي تُشكِّل بابًا مُهمًّا لِفَهْمِ ما يجري؛ لأنَّها خطوة تُعِيد ترتيب أولويَّات السوق، وتمنح المستثمر صورة أكثر وضوحًا لمسار المشاريع الَّتي يُمكِن أن تضيفَ قِيمة محليَّة حقيقيَّة، وفي الوقت ذاته تمنح المستثمر مساحة يرى فيها فرصًا قابلة للتنفيذ الفعلي، ما يدفع هذه النقاشات إلى قاعدة أساسيَّة تُدرك أنَّ الصناعة لا تحتاج إلى مبادرات جديدة بقدر حاجتها إلى فرزٍ دقيق يحدِّد ما يستحق الدَّعم وما يحتاج إلى إعادة صياغة، وهو ما يظهر في تناول نماذج الفرص الاستثماريَّة وتقييم محطَّات غاز النفط المسال، لأنَّ هذه الملفات ترتبط مباشرة ببيئة التكلفة وكفاءة الإنتاج. ويأخذ المشهد وزنًا أكبر حين نرى كيف تتعامل الدَّولة مع الإطار التنظيمي كجزء من عمليَّة إصلاح شاملة، إصلاح يهدف إلى بناء بيئة صناعيَّة قادرة على استيعاب التكنولوجيا، وجذب استثمار طويل الأجل، وتأسيس قِطاع يعمل وفْقَ معايير واضحة تعطي الصناعة موقعًا ثابتًا داخل الاقتصاد الوطني.

إنَّ تطوير القدرات داخل القِطاع الصناعي يُمثِّل محورًا أساسًا في فَهْمِ التحوُّل الجاري داخل المصانع العُمانيَّة؛ لأنَّ الصِّناعة تستمدُّ قوَّتها بجانب المُعدَّات ذات التقنيَّة العالية، إلى الإنسان الَّذي يقف خلْفَ كُلِّ عمليَّة تشغيل وتخطيط وإدارة، ويتقدم مشروع تطوير المهارات القِطاعيَّة؛ باعتباره خطوةً تُعِيد بناء القاعدة البشريَّة للصناعة؛ لأنَّه مشروع يفتح أمام العاملين مساحة واسعة لاكتساب مهارات قادرة على التعامل مع التكنولوجيا الحديثة، وتحويل الآلات من أدوات صامتة إلى طاقة إنتاجيَّة تضيف قِيمة فعليَّة داخل خطوط الإنتاج، وتوطن المعرفة كقِيمة اقتصاديَّة أصبحت أساس نجاح لأيِّ منظومة صناعيَّة، لِترتبطَ هذه الجهود بفكرة ترسيخ ثقافة تشغيليَّة جديدة داخل المصانع، ثقافة تظهر ملامحها في مقترح جائزة أفضل الممارسات الصناعيَّة الَّتي تمنح المصانع دافعًا لتحسينِ أساليب الإدارة الفنيَّة والتنظيميَّة، وتمنح المؤسَّسات الصَّغيرة والمتوسِّطة طريقًا واضحًا للصعود داخل السلَّم الصِّناعي. ويتوسَّع هذا المشهد حين نرى كيف تتحول الحوافز الصناعيَّة إلى أداةٍ لفتحِ المجال أمام شريحة أكبر من المؤسَّسات للدخول إلى دائرة الإنتاج، بما يرفع من مستوى التنافسيَّة، ويمنح الاقتصاد قدرة أعلى على خلقِ قِيمة محليَّة تتسع مع تطوُّر المشهد الصِّناعي في السَّلطنة.

وتتقدم الصورة إلى مساحة أوضح عندما ننظر إلى التوصيات الَّتي خرج بها الاجتماع؛ لأنَّها تُشكِّل الإطار العملي الَّذي سيحدِّد موقع الصِّناعة خلال السنوات المقبلة، وتفتح الطَّريق أمام مرحلة تطمح فيها الدَّولة لبناء قِطاع قادر على الاستجابة لمتطلبات اقتصاد سريع الإيقاع، حيثُ يأتي توحيد الرسوم المهنيَّة كخطوة تنظِّم بيئة العمل، وتقلِّل من التفاوت بَيْنَ الجهات، وتمنح المصانع مستوى أعلى من اليقين التشغيلي الَّذي يحتاجه أيُّ مستثمِر يفكِّر في التوسُّع داخل السوق المحلِّي، كما يتَّصل هذا التوجُّه بتسريع استكمال المواصفات القياسيَّة، وهي عمليَّة تمنح المنتَج العُماني قدرة أكبر على دخول الأسواق الخارجيَّة بثقة، وتزيد من فرص رفع المبيعات، وخلق منافسة حقيقيَّة بَيْنَ المصانع الَّتي تستجيب للمعايير الأحدث في الجودة، بالإضافة إلى إنشاء جهة متخصِّصة لمراجعةِ جاهزيَّة الفرص قَبل الترويج، وهي خطوة تمنح المشاريع الصناعيَّة قِيمة أعلى؛ لأنَّها تعرض على المستثمِر فرصًا يُمكِن تنفيذها فعليًّا، وتضع الصِّناعة على مسار أكثر ثباتًا. وتتَّسع الصورة حين نضع هذه التحركات داخل الإطار الأكبر للاستراتيجيَّة الصناعيَّة 2040 الَّتي تسعى إلى رفع القِيمة المحليَّة، وإحلال المنتجات الوطنيَّة محلَّ الواردات، وتوسيع نطاق الصَّادرات في أسواق جديدة، بما يمنح الصِّناعة موقعًا مركزيًّا داخل مشروع التنويع الاقتصادي، ويُظهر أنَّ سلطنة عُمان تتَّجه نَحْوَ بناء قِطاع صناعي قادر على إنتاج مستقبل اقتصادي مختلف وأكثر قوَّة.