ثالثًا: «المدينة النائمة في أحضان تيبل». 2
تمتلك «كيب تاون» أشهر معتقل في العالم، يقع في جزيرة «روبن»، الَّتي حوَّلها الهولنديون سجنًا جنائيًّا، استثمرته حكومة جنوب إفريقيا العنصريَّة لنفي النشطاء المَدنيين والسياسيين، وفي مقدِّمتهم أعظم ناشط على مستوى العالم، نيلسون مانديلا، الَّذي أطْلَق على تلك المرحلة في كتابه بـ»السنوات الحالكة»، ممهدًا للفصل بنبذة تاريخيَّة موجزة عن جزيرة «روبن»، وسجنها العتيد ذي السمعة الاستعماريَّة البغيضة، «الجزيرة». ذلك النتوء الصخري البارز في عرض البحر على بعد ثمانية عشر ميلًا عن شاطئ كيب تاون. وهكذا يعرفها الجميع. واشتهرت بَيْنَ الكوسا باِسْمِ ماكانا قائدهم العسكري الشهير في حرب الكوسا الرابعة، فقد نفاه البريطانيون إليها بعد أن قاد جيشًا قوامه عشرة آلاف مقاتل عام 1819، ولم يكُنْ ماكانا أول بطل إفريقي يُنفى إلى الجزيرة. ففي حرب الخوي خوي ضدَّ المستوطنين الهولنديين عام 1658، نُفي إليها المحارب الإفريقي أوتشوماو». وكلمة روبن بالهولنديَّة تعني عجل البحر الَّذي يتجمع بالمئات حَوْلَ الجزيرة قادمًا مع تيَّارات المحيط الباردة، استعملت الجزيرة فيما بعد لنفي المُصابين بالجذام، ثم خصِّصت لإيواء المُصابين بالأمراض العقليَّة ثم قاعدة بحريَّة... تبعد الجزيرة عن شاطئ المارينا بقلب «كيب تاون»، حوالي ثمانية عشر ميلًا، يصل السائح إليها بوسائل النقل البحري، وهي من أبرز المقاصد السياحيَّة في جنوب إفريقيا، يضعنا المرشد السياحي، المتخصص في تاريخ الجزيرة وسجنها العتيد، أمام فيض من المعلومات والملحوظات، من أهمها، أنَّ السجناء السياسيين مثل «نيلسون مانديلا»، الَّذي قضى (18) عامًا في هذا السجن، يُجبرون على العمل الشاق في المحاجر، لكسر الحجارة تحت أشعة الشمس الحارقة، كجزء من نظام الفصل العنصري (الأبارتهايد). أمَّا الكهف، الَّذي أشار إليه المرشد مخفيًّا داخل الجزيرة، فكان مكانًا سريًّا يستخدمه السجناء للراحة أثناء العمل، وأحيانًا كـ»فصل دراسي سري» يتبادلون داخله، الأفكار والمحاضرات السريَّة حَوْلَ الفلسفة، التاريخ، والسياسة. وبعض الأفكار الَّتي نوقشت فيه أسهَمتْ في صياغة دستور جنوب إفريقيا الجديد بعد نهاية الأبارتهايد في 1994. في تطوافنا بَيْنَ عنابر السجن، وغرفه الانفراديَّة، ومرافقه، وساحة تجمع السجناء، تحدَّث المرشد السياحي ـ وهو من بَيْنِ السجناء الَّذين ضمَّهم «روبن» في فترات النضال ـ عن الأدوات والمقتنيات الَّتي تستخدم للتعذيب والتنكيل، والروح العالية الَّتي يتمتع بها النشطاء، والإضرابات والاحتجاجات الَّتي قادها هؤلاء على المعاملات القاسية السيِّئة، وغياب البيئة الصحيَّة والأكل المناسب، ومنها إضراب عن الطعام استمرَّ لمدَّة ثلاثين يومًا، اضطرت بعده إدارة السجن إلى استبدال الأُسرة الحديديَّة بالأرض الصلبة الَّتي كانوا ينامون عليها، في عنبر يصل عدد سجنائه إلى 42 سجينًا... الجزيرة والسجن والمقبرة الَّتي ضمَّت رفات العاملين في «روبن» وعدد من سجنائه، ومرافقه، والكنيسة والمسجد، هي اليوم، جزء من تاريخ جنوب إفريقيا، وسجلت كموقع خالد ضِمن التراث العالمي لليونسكو. ويأتي الغرض من إدراجه في برامج السياحة؛ للتعرف على تاريخ النضال الإنساني ضدَّ الاستعمار والعنصريَّة، والتضحيات العظيمة من أجلِ الحصول على الحُريَّة... ففي «كيب تاون»، يستطيع السائح التعرف على «التجارب والمِحن الَّتي كانت تُمثِّل روح المدينة في السابق، فالحيُّ السادس الَّذي كان مزدهرًا ويضم أكثر من (60) ألف تاجر ومهاجر خصِّص فقط للبِيض»، بعد أن تمَّ إبعاد السود جميعًا إلى مواقع خارجه. كما تُمثِّل «كيب تاون» نموذجًا لروح المغامرة الَّتي تحفِّز السائح، وتُحقِّق له أشكالاً من الإثارة والدَّهشة، بوجود المحميَّات الطبيعيَّة الشاسعة، والحيوانات المفترسة الضخمة، وركوب الأمواج الغاضبة والقفز بالمظلات من أعالي الجبال، وممارسة رياضة التجديف، بالإضافة إلى التنوع الهائل والمذاقات الشهيَّة لمزيج من الأطعمة والمشروبات والقهوة الَّتي تنتمي إلى حشد من الثقافات والهُوِيَّات الَّتي يُشكِّلها السكان. فاحتساء فناجين القهوة ذات المذاق المميز في «مقهى الحقيقة»، «TRUTH» بكيب تاون العلامة التجاريَّة الأبرز على مستوى العالم في تحميص قهوة تروث الحائز على جائزة أفضل مقهى بالعالم لعامين متتاليين من صحيفة «ديلي تلجراف»، فرصة لا تفوّت من قِبل السياح المتجولين والمكتشفين لجنوب إفريقيا، حيثُ «بُنيت هذه المقلاة حَوْلَ محمصة القهوة العتيقة المعدَّة بعناية فائقة، والمزودة بأحدَث التقنيَّات»، فيما استخدمت عشرات القطع والمعدَّات والمقتنيات القديمة جدًّا كجزء أساسٍ من ديكور المقهى المدهش ما يُمثِّل إضافةً كبيرة على جَماله وبذخ عمارته، وضعه بجدارة في خريطة المشهد. أوردَ أحد المواقع الإلكترونيَّة خبرًا يتحدث عن «تربع مدينة كيب تاون على قائمة أفضل المُدن في العالم وفقًا لتصنيف مجلة «Architectural Digest « مضيفة أنَّ «الجَمال يكمن في عيون الناظر». كانت المدينة في الأصل مرفأ للسفن الهولنديَّة المبحرة إلى شرق إفريقيا، والهند وآسيا، وتأسَّست في 1652م، كأول استيطان أوروبي دائم في منطقة جنوب الصحراء الكبرى، وتقع على سواحل المحيط الأطلسي، وتنام وتصحو على أحضان جبل الطاولة، «تيبل المعلق»، أو جبل البحر قَبل تحديث اسمه من قِبل الهولنديين، الَّذي يبلغ ارتفاعه (1100) متر، ويسيطر على الأُفق حَوْلَ المدينة ويُعَدُّ أشهر مَعْلم فيها. ومن عجائب الدنيا السبع الطبيعيَّة لقمَّته العالية المسطَّحة الشبيهة بالطاولة ولِمَا توفِّره من إطلالات بانوراميَّة خصبة بالجَمال والإبهار، حيثُ يقف الإنسان في أعلاها مدهوشًا بمناظر السُّحب والضباب الَّتي تسبح في الفضاء أسفل منها، قِيل فيها «إذا تعبتَ من النظر إلى قمَّته، فعليك أن تصعدَ إليها لترى من علوِّها الشاهق العالم». ونقلتنا إلى قمَّته المتربعة على عرش إفريقيا إحدى العربات الطائرة على كابلات حديديَّة قادرة على حمل ما لا يقلُّ عن خمسين سائحًا... «يتبع».
سعود بن علي الحارثي