الخميس 12 مارس 2026 م - 22 رمضان 1447 هـ
أخبار عاجلة

الألف وتغييراتها فـي التراكيب اللغوية «دراسة صرفية» «2»

الأربعاء - 19 نوفمبر 2025 02:29 م
10

.. ومنها تلك الألف التي تبيِّن جمعَ الكلمة جَمْعَ قلةٍ، حيث تنقلُها من المفرد إلى الجمع، مثل: (عَمَل، وقَلَم، وقُفْل، وحُلْم، وجَبَل، وفِيلم)، نقول في جمعها (جمع قلة)، وقد يكون الجمعُ (جمعَ كثرةٍ) إذا لم يَكْنْ للفظ جمعُ كثرة في اللغة:(أعمال، وأقلام، وأقفال، وأحلام، وأجبال، وأفلام)، فتدل الألفُ على الجمع، وانتقالِ اللفظ من بنية المفرد إلى الجمع الذي يدخل من الثلاثة إلى العشرة (جمع قلة).

ومنها الألفُ الفارقة التي تفرق بين الصيغ، وتقوم بدور أمن اللبس، وهي تلك التي تفرق بين (أنْ) الناصبة للمضارع، و(أَنْ) المخففة من الثقيلة، فتُحيل الفظ إلى ضمير المتكلم، نقول: (أنَا مسلم، وأنَا مؤمن، وأنَا محسنٌ، وأنا تالٍ للقرآن الكريم)، فتضع حَدًّا للفصل بين الحروف، والضمائر، وتزيل اللبس الحاصل. ش

ومنها كذلك ما تحدث فارقًا بين الأفعال المسندة إلى نون النسوة، والمؤكدة بالنون الثقيلة؛ حتى لا نضطر إلى حذف التوكيد، فلا يكون للأفعال المسندة لنون النسوة توكيدٌ، ولا وجودٌ في اللغة العربية، وهو ضررٌ أكبرُ، فجاءت الألف الفارقة لتُوجِدَ تلك الصيغةَ في لغتِنا الجميلة، فلا تُظْلَم هذه الشريحة في استعمال التوكيد، وتكون كشريحةِ الرجال التي تؤكَّد بالنون، والمسندة إلى واو الجماعة، نحو:(النساءُ يَجْلِسْنَانِّ في صمتٍ، ويَعْمَلْنَانِّ البحوثَ في هدوءٍ، ويَسْأَلْنَانِّ عمَّا لا يَفْهَمْنَ فيها، ويُنْهِينَانِّ بحوثَهن على أتمِّ صورة، وأكملِ منهج، وأنهج سبيلٍ علميٍّ).

ومنها الألف التي تُوضَع بعد واو الجماعة؛ لتفرق بين شريحة الفعل المعتل بالواو، المسند للواحد:(غائبًا كان، أم مخاطبًا، أم متكلمًا)، نحو:(هو يدعُو إلى الله، وأنتَ تدعُو إلى االله، وأنَا أدعو إلى الله)، ونحو:(هم لم يَدْعُوا إلى الشر، وأنتم لم تدعوا إلى باطل)، فجاءت تلك الألف الفارقة؛ لتفرق بين شريحتَيِ الكلام: المفرد، والجمع، ورحم الله أول من استعملها، فقد أراحنا من وهم كبير، وخلط كثير.

ومنها ألفُ المصدر، تلك التي تبيِّن انتقال الكلمة من حَيِّز الأفعال إلى صورة المصادر، نحو: (استقبلت أخي استقبالًا حافلًا، وقرأت الكتابَ قراءةً فاحصةً، وأضأتُ فكرةَ الكتابِ أمام طلابي إضاءةً كاشفة)، فقد دخلت تلك الألفُ؛ لتبين المصدرَ، وتؤكِّدَ الفعل، وتنقلَه من وضع الحدوث، والانتقال إلى معنى الثبات، والاستمرار على حدِّ وصف الأفعال، والمصادر في عالم الصرف، ودلالاتِ صِيَغِهِ.

ومنها الألفُ الفارقة بين الضمير، والظرف، نحو:(هُنَا أخي، وهُنَا القاهرةُ، وهُنَا إذاعةُ طنطا)، ونحوها من ظروف المكان، حيث تَفْرِقُ تلك الألفُ بين الضمير (هُنَّ)، والظرفِ (هُنَا)، فتنقله من شريحة الضمائر إلى شريحة الظروف، وكذا الألفُ الفارقة بين الضمير (هُنَّ)، والظرف: (هَنَّا) بمعنى (هُنَا)، نحو قولك:(هَنَّا تقعُ كليتي)، أي:(هُنَا موقعُها)، و(هَنَّا مسكنُ أسرتي)، أي: (هُنا مسكنُهم)، فوجود الألف يَفْرِق بين الضمائر أيضًا والظروف، وهكذا تأتي تلك الألفُ الفارقة، وهي كثيرةُ المواضع، وتتطلب حصرًا لها، ورصدًا لكلِّ أماكنِ دخولها، وتستوجبُ مقالًا خاصًّا بها، وبشرحها، وتوضيحها، وبيان سياقاتها.

فقد رأينا أنَّ الألفَ لها حضورٌ كبيرٌ في الجانب الصرفي، وتؤثِّر في سياقات الكلام، كما أنها تضع حَدًّا لتداخُل الصيغ، كما أنها تزيل اللبسَ بين المعاني المتداخلة.

إن الألف تتطلب بحثًا كبيرًا، وكم أخذتْ مئاتِ الجلساتِ من أزمنة المجامع اللغوية، وكتبوا حولَها كتبًا كثيرة فيما تُحْدِثُهُ، وتؤثر فيه من السياقات اللغوية، وأنواع تلك الألفات، وتغييراتها في الأوزان، والصيغ الصرفية، ومعانيها.

وقد تُحذَف تلك الألفُ، وسنخصِّص لمواضعِ حذفِها مقالًا كاملًا يتتبع تلك المواضعَ، وسَبَبَ حذفِها، ومعانيَها قبل الحذف، وبعده، ويرصُد ما يتعلق بقضية الحذفِ لها في الرسم الإملائي؛ لأنها كثيرةٌ، وذاتُ مواضعَ متعددةٍ، تتطلب شرحًا ضافيًا، وحديثًا عنها وافيًا، وهو ما نَعِدُ به في مقالٍ لاحق، والحمدُ لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

د.جمال عبدالعزيز أحمد 

 كلية دار العلوم ـ جامعة القاهرة - جمهورية مصر العربية

[email protected]