الأربعاء 01 أبريل 2026 م - 13 شوال 1447 هـ
أخبار عاجلة

القضاء العماني.. عدالة ناجزة مرتكزة على الابتكار والتحول الرقمي

القضاء العماني.. عدالة ناجزة مرتكزة على الابتكار والتحول الرقمي
الأربعاء - 19 نوفمبر 2025 02:12 م

مسقط ـ «الوطن»:

تشهد سلطنة عُمان نقلة نوعية في تطوير منظومتها القضائية والتشريعية، تعكس الرؤية السديدة للقيادة الحكيمة لحضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم في بناء دولة المؤسسات والقانون، وترسيخ مبادئ العدالة والنزاهة، وتعزيز سيادة القانون كأحد الركائز الأساسية لتحقيق رؤية عُمان 2040.

فالقضاء العُماني اليوم يمضي بثبات نحو ترسيخ عدالة متطورة تعتمد على الكفاءة، وسرعة الفصل، وتبسيط الإجراءات، بما يواكب متطلبات التنمية الوطنية والتحولات الاقتصادية العالمية.

محكمة متخصصة للاستثمار والتجارة

إن إنشاء محكمة الاستثمار والتجارة كأول محكمة متخصصة في القضايا الاستثمارية والتجارية، وانطلاق أعمالها مع بدء العام القضائي 2025-2026 يمثل خطوة إستراتيجية مهمة للمنظومة القضائية العُمانية، ويعكس مدى التزام سلطنة عمان بتطوير منظومتها القضائية في ظل إطار رؤية عُمان 2040 التي تسعى إلى تعزيز أولوية التشريع والقضاء والرقابة والتي تستهدف بناء منظومة عدلية وقضائية متطورة ومرنة تضمن الحيدة والنزاهة وتوحّد الرقابة وتختصر الإجراءات، وتسهل الوصول إلى التقاضي، وتحقق العدالة الناجزة، وأن وجود قضاء متخصص في الدعاوى الاستثمارية والتجارية من شأنه يعزز إحدى الضمانات الرئيسة للمستثمرين والتي لا تنفصل أو تتجزأ عن الضمانات الأخرى كالتشريعات والقوانين المنظمة والمحفزة للاستثمار، وتحسين مؤشر سهولة ممارسة الأعمال، وغيرها، فيضمن المستثمر أو التاجر أن ينظر دعواه قاضٍ متخصص يحقق دقة الأحكام القضائية، الأمر الذي يعزز الثقة في النظام القضائي العماني، علاوة على ذلك أن وجود جهة قضائية متخصصة يعكس طمأنينة للمستثمرين والمتقاضين في الأداء القضائي، ويضمن حماية حقوق المستثمرين والتجار ويحد من كثرة النزاعات المتفرعة عن النزاعات، بما يسهم في استقرار السوق وتحسين مناخ الأعمال في سلطنة عمان، فضلا بأن الدعاوى الاستثمارية والتجارية لها طابع خاص تتميز عن غيرها من الدعاوى، ويرجع ذلك إلى طبيعة الاستثمار ذاته والأطراف والقوانين والتشريعات المتفرعة، ناهيك قد تشمل أطراف النزاع شركات متعددة الجنسيات، أو حكومات، أو مستثمرين أفراد، أو مبالغ مالية كبيرة، أو عقودًا معقدة، بما يتطلب فهماً عميقاً للدعوى للفصل بحكم بات في مدة قصيرة حتى لا تلحق المستثمرين أو التجار أو الشركات بتأخر صدور الحكم في الدعاوى المنظورة أولا ثم تنفيذها ثانيًا آثارٌ يصعب عليهم تداركها.

تحول رقمي شامل في قطاع العدالة

ساهمت جهود التحول الرقمي بالمجلس الأعلى للقضاء في رفع كفاءة العمل وتسهيل وصول المتقاضين للعدالة وتعزيز الابتكار بالخدمات القضائية، حيث أطلق المجلس البوابة الإلكترونية «قضاء» لتقديم الخدمات القضائية والعدلية وتتميز المنصة بطابع سهل يمكن للأفراد والباحثين القانونيين والمحامين قيد الدعاوى ومتابعة إجراءات الدعوى ومواعيد الجلسات، ومتابعة تنفيذ الأحكام، وتتضمن البوابة تقنية الاتصال المرئي لخدمات الكاتب بالعدل التي تمكن الاستفادة من خدمات الكاتب بالعدل دون الحاجة للحضور إلى مقار الكاتب بالعدل عن طريق الاتصال المرئي للتأكد من صاحب العلاقة وأهليته، وتتميز بوابة قضاء بالتكامل مع عدد من بيانات الجهات ذات العلاقة منها على سبيل المثال شرطة عمان السلطانية ووزارة الإسكان والتخطيط العمراني ووزارة العمل، ووزارة التجارة والصناعة لتسهيل عملية تنفيذ الأحكام. كما دشن المجلس خدمة دفع مُستحقات تنفيذ الأحكام القضائية عبر أجهزة وتطبيقات الدفع الإلكترونية، وإتاحة رفع وإلغاء أوامر الحجز تلقائيًا عند دفع تلك المُستحقات.

ودشن المجلس في الآونة الأخيرة مكتبة قضائية رقمية متخصصة تم ربطها مع مصادر المعرفة في سلطنة عمان وخارجها لتكون مرجعًا علميا قانونيًا ذي ثقة عالية في المعلومات تخدم القضاة والقانونيين وطلاب القانون والباحثين وغيرهم في العمل القانوني وأغراض البحث العلمي، وتهدف المكتبة الرقمية القضائية إلى تمكين القضاة والباحثين القانونيين من الوصول الذكي والسريع إلى الأحكام القضائية والمراجع العدلية وترسيخ بيئة قضائية قائمة على المعرفة، وتدعم بناء قدرات القضاة والمهنيين في المجال القانوني عبر أدوات ذكية متطورة، وتقدم المكتبة منصة إلكترونية متقدمة تشمل محرك بحث ذكي يتيح للمستخدمين الوصول إلى الأحكام والسوابق القضائية بدقة ومرونة، وقاعدة بيانات متكاملة تضم كافة الأحكام الصادرة عن المحاكم يتم تحديثها بشكل مستمر، وخدمة الاطلاع على السوابق القضائية لتحسين جودة العمل القضائي ودعم اتخاذ القرار وكذلك التوسع في إصدارات المكتب الفني القضائي بمختلف أنواعها كالشروحات والتعقيبات والمبادئ القانونية، وتمكن من التكامل مع مكتبات قانونية أخرى محلية ودولية، لتوفير مصادر مرجعية موسعة.

توظيف الذكاء الاصطناعي

يجري العمل حالياً على بناء منظومة قضائية ذكية تشمل عمل جلسات الدعوى عن بعد في بيئة تقنية عالية الأمان وتسهم هذه التقنية المدعومة بالذكاء الاصطناعي على مساعدة القضاة في توثيق محاضر الجلسات والتنبؤ بالأحكام القضائية وتسريع الصياغة الأولية للأحكام وتلخيص القضايا، كما أنها التي تساعد المتقاضيين على تخفيف أعباء التنقل وتقليل الجهد والزمن والكلفة المالية والترافع في أي مكان، ويعمل المجلس حاليا على تبنى التقنيات الناشئة لتطوير المرفق القضائي كتفعيل تقنية «البلوك تشين» لتعزيز موثوقية الأدلة الرقمية وإنشاء سجل قضائي آمن وشفاف، ويجري العمل على توظيف الواقع الافتراضي في إجراءات المحاكم، وتطوير نماذج لغوية قضائية متخصصة، تمثل الجيل القادم من المساعدين الأذكياء القادرين على توفير مساعدة قضائية متخصصة، والتدقيق الذكي للمذكرات القانونية، ودعم تطبيقات خدمة الجمهور، كل ذلك بهدف الارتقاء بكفاءة العمل القضائي وتكريس العدالة الناجزة. وتأتي هذه الجهود أيضاً لتصب مباشرة في تحقيق أهداف البرنامج الوطني للاقتصاد الرقمي تعزز من مكانة سلطنة عُمان كوجهة رائدة للعدالة والاستثمار.

رؤية وطنية لعدالة راسخة

يمضي المجلس الأعلى للقضاء في تنفيذ خطته الاستراتيجية بعيدة المدى (2024–2040)، الهادفة إلى ترسيخ منظومة قضائية عمانية حديثة تُجسّد الثقة محليًا ودوليًا. وترتكز الخطة على تحديث التشريعات المرتبطة بعمل القضاء، والتوسع في مجالات القضاء المتخصص والبديل، بما يشمل التحكيم، ولجان التوفيق والمصالحة، ولجان المنازعات الإيجارية والعمالية، بالتنسيق مع الجهات ذات العلاقة.

وفي إطار تعزيز كفاءة منظومة العدالة، يواصل المجلس تطوير أعمال الخبرة القضائية، ومكتب تهيئة الدعوى لتسريع الفصل في المنازعات، إلى جانب الارتقاء بالبنية الأساسية للمحاكم وفق أعلى المعايير الفنية والتقنية، ورفدها بكفاءات وطنية مؤهلة. كما يحظى التدريب المتخصص للقضاة وأعوانهم، داخل السلطنة وخارجها، أولوية قصوى لضمان جودة الأداء وتسريع وتيرة العمل القضائي.

وفي سياق تعزيز منظومة القضاء البديل، صدر المرسوم السلطاني رقم (12/‏2025) القاضي بإنشاء لجنة الفصل في المنازعات الإيجارية، لتكون الجهة المختصة بالنظر في هذه المنازعات اعتبارًا من 7 يوليو 2025، برئاسة قاضٍ وبديلاً عن المحاكم، بما يسهم في تسريع الفصل وتقليل حجم الدعاوى الواردة إلى المحاكم.

وعلى مستوى مشاريع البنية الأساسية، طرح المجلس خلال عامي 2024 و2025 عددًا من المناقصات تتضمن إنشاء وتصميم مجمعات محاكم جديدة وتحديث المرافق القائمة، بما يتوافق مع الرؤية المستقبلية للمجلس في تطوير بيئة العمل القضائي.

وتعكس هذه المنجزات التزام السلطنة ببناء منظومة قضائية متقدمة تواكب المتغيرات العالمية، وتعزز الثقة في بيئة الأعمال، وترسخ قيم الشفافية والنزاهة، بما يسهم في تحقيق العدالة الناجزة. وتمضي سلطنة عُمان بثبات نحو مستهدفات رؤية عُمان 2040، لتكون نموذجًا رائدًا في سيادة القانون والعدالة الحديثة والتنمية المستدامة.