تُعِيدُ الحكومة البريطانيَّة النظر في قوانين وقواعد حقوق الإنسان بهدف تعديل سياسات الهجرة واللجوء وغيرها. وتستفيد الحكومة العماليَّة من إنجاز المحافظين للخروج من الاتحاد الأوروبي (بريكست) ما يسهل على بريطانيا التخلي عن الميثاق الأوروبي لحقوق الإنسان أو على الأقل بعض بنوده. لكنَّ الواقع أنَّ بريطانيا ليست وحدها في ذلك؛ إذ إنَّ كثيرًا من دول أوروبا الغربيَّة بدأت تتراجع عن بنود حقوقيَّة لأسباب سياسيَّة وأيضًا عن سياسات اجتماعيَّة لضبط أرقام الميزانيَّات الرسميَّة. يدرك ذلك بوضوح كُلُّ مَن يعيش في تلك الدول وخبر ما كانت عليه الأوضاع قَبل نَحْوَ عَقديْنِ من الزمن فقط وما هي عليه الآن وما تتجه إليه مستقبلًا. ولعلَّ أكبر مثال على ذلك هو دولة مثل السويد، الَّتي كان يضرب بها المثل في نظام العدالة الاجتماعيَّة في الغرب الرأسمالي، وأيضًا في مجال الحُريَّات وحقوق الإنسان. تدهورت الأوضاع في السويد في السنوات الأخيرة على كُلِّ المستويات، وتُلقي الحكومة والسياسيون باللائمة ليس على فشل سياساتهم أو انصياعهم لتوجُّهات يمينيَّة متطرفة، إمَّا لممالأة أميركا أو استجابة لضغوط انتخابيَّة، وإنَّما على المهاجرين. وبالطبع ينصبُّ ذلك على الهجرات من منطقتنا مع تجاهل المهاجرين الروس منذ زمن والأوكرانيين وغيرهم مؤخرًا.
هذا التدهور هو تقهقر ورجوع للوراء، كما في العنوان الَّذي لا يعني «رجعيَّة» بالمعنى الفكري التقليدي في السياسة وغيرها. وإن كان ذلك لن يبدوَ من باب الشَّطط، فتوجُّهات اليمين العنصري لا تختلف عن الرجعيَّة الَّتي تحدَّث عنها المفكرون في تعرُّضهم لقرون الظلام الأوروبيَّة وسنوات الاستعمار والقهر لشعوب العالم فيما بعد. رُبَّما تغيَّرت مظاهرها وأعراضها، لكن ما يتجه العالم نَحْوَه حاليًّا هو شكل من أشكال الرجعيَّة بذلك المعنى الَّذي ترسخ في أذهاننا من قَبل. إنَّما من باب التبسيط غير المخل، دعونا نعدُّ الوضع الحالي والمتوقع في ضوء المقدِّمات الَّتي نشهدها هو «رجوع» إلى ممارسات سابقة رغم كُلِّ التطور الَّذي شهدته البشريَّة. ومن المُهمِّ هنا الإشارة إلى أنَّ تلك الممارسات الدمويَّة وغير الإنسانيَّة في وقتها كانت تحظى بتأييد أغلبيَّة معقولة من الجماهير، وينظر إليها في حينها على أنَّها من علامات التقدُّم والتطوُّر.
يتجاهل السَّاسة البريطانيون، وكثير من الأوروبيين من اليمين المتطرف وغيره، أنَّ أغلب المهاجرين واللاجئين إنَّما يأتون من مناطق صراع أذكتها أميركا والغرب، سواء بالتدخل العسكري المباشر أو بدعم قوى إقليميَّة ومحليَّة دمويَّة أو إرهابيَّة. صحيح أنَّ كثيرًا من طالبي اللجوء من تلك المناطق رُبَّما ليسوا متضررين، وأنَّ مَن يستحقون الهجرة فعلًا لا يستطيعون ذلك. وصحيح أيضًا أنَّ بعض هؤلاء المهاجرين وطالبي اللجوء يحتالون على القوانين، وينتهك بعضهم قوانين المعونات والرعاية الاجتماعيَّة في البلاد الأوروبيَّة. إنَّما مواجهة ذلك تكُونُ بزيادة التدقيق وفرض الالتزام بالقواعد والقوانين ومحاسبة مَن يخالفها باعتباره يرتكب جرمًا وليس منع الهجرة واللجوء تمامًا تحت ضغط شعارات اليمين المتطرف والعنصري. فذلك أقرب لطريقة «الحل النهائي» الَّتي اعتمدتها النازيَّة قَبل نَحْوَ قرن؛ أي التخلص من كُلِّ «الآخر» غير العِرق الأبيض الَّذي عدُّوه «متفوقًا». المسألة ليست التراجع عن تفوُّق أخلاقي غربي أو التزام أكبر بحقوق الإنسان فحسب، إنَّما هي جزء من تعويض عن المسؤوليَّة في إشعال أسباب الهجرة واللجوء.
رُبَّما يكُونُ لعودة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى السُّلطة وعلوِّ صوت تيَّاره المعادي للهجرة والمهاجرين، و»الآخر» عمومًا، دَوْر في تلك الرجعيَّة الغربيَّة. إنَّما ينمو هذا التيَّار الرجعي منذ فترة حتَّى أنَّ بعض مُكوِّناته يعدُّون أنفسهم «النازيين الجُدد» ولا يخجلون من تسمية جماعاتهم هكذا فعلًا. ويرفع بعضهم شعارات فاشيَّة صريحة تكاد تصبح جزءًا من المشهد السياسي العام في الدول الغربيَّة. قد يرى البعض أنَّ وضع الغرب لا يعنينا، وأنَّ علينا الاهتمام بقضايانا وتنمية بلداننا بما يَحُول دون هجرة مواطنيها أو طلبهم للجوء في الغرب أو غيره. وهذا صحيح، لكن من الصعب أيضًا تجاهل أنَّ كثيرين ما زالوا ينظرون إلى الغرب على أنَّه «النموذج»، وبالتالي فما يجري فيه يؤثر فينا وفي بلداننا أيضًا. لذا لا يستغرب المرء من علوِّ أصوات في مصر مثلًا ترفع شعارات ضد السودانيين أو السوريين الَّذين نزحوا إليها هربًا من النار والدمار في بُلدانهم. وقَبل ذلك حدَث في تونس أن علَتْ أصوات ضد الليبيين الَّذين انتقلوا إليها هربًا من حروب الميليشيَّات في بلدهم المجاور، واتُّهم هؤلاء المهاجرون بأنَّهم وراء زيادة معدَّلات الجريمة، بالضبط كما يدَّعي ترامب الآن بشأن المهاجرين من أميركا الجنوبيَّة.
إنَّ الرجعيَّة الغربيَّة ليست قاصرة على بُلدانها، إنَّما هي تسري حثيثًا في كُلِّ أنحاء العالم، وتتَّجه نَحْوَ مزيدٍ من عودة البشر إلى عصور ظلاميَّة رُبَّما أكثر «رجعيَّة» من الفاشيَّة والنازيَّة الأوروبيَّة في النصف الأول من القرن الماضي. بل إنَّ «الرجوع» رُبَّما يستقي من عصور الظلام والقرون الوسطى، خصوصًا مع زيادة وتعمُّق الفجوة بَيْنَ الأثرياء والَّذين يعيشون على الكفاف في ظلِّ الثروات الملياريَّة وحتَّى التريليونيَّة لبضعة أفراد بَيْنَما مئات الملايين يكدحون لتلبية الاحتياجات الأساسيَّة. فقضيَّة المهاجرين وطالبي اللجوء ليست إلَّا عرضًا واحدًا لتلك الرجعيَّة الغربيَّة. فهناك من الأعراض ما يمسُّ أيضًا المواطنين في الغرب من تقليص أو إلغاء شبكات الحماية لكبار السِّن والأكثر فقرًا وغير ذلك من الأعراض.
د.أحمد مصطفى أحمد
كاتب صحفي مصري