الأربعاء 01 أبريل 2026 م - 13 شوال 1447 هـ
أخبار عاجلة

«القرآن الكريم فن الدبلوماسية».. إتيكيت المجاملة ونبرة الصوت «1»

«القرآن الكريم فن الدبلوماسية».. إتيكيت المجاملة ونبرة الصوت «1»
الثلاثاء - 18 نوفمبر 2025 10:02 ص

د. سعدون بن حسين الحمداني

140


سوف أتطرَّق بالمقالات القادمة إلى ما ورَدَ من مفاهيم بالمهارات وفنِّ الدبلوماسيَّة بكِتاب الله (القرآن الكريم)، وكذلك السِّيرة النبويَّة الشريفة عسى أن تنال رضاكم.

تُعَدُّ المدرسة الإسلاميَّة أولى المدارس الَّتي اهتمَّت بنبرة الصوت ووضع الأُسس النموذجيَّة، وتناقلتْها المدارس الدبلوماسيَّة الحديثة، وطوَّرتْها وعملتْ حلقات متقدِّمة للكوادر الدبلوماسيَّة وكبار الشخصيَّات، بالإضافة إلى انتقالها إلى عِلم النَّفْس الاجتماعي وأهميَّته في كاريزما الشَّخص، قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ..) (الحجرات ـ 2).

يُعَدُّ إتيكيت نبرة الصوت من أهمِّ العلامات المَدنيَّة الحديثة على فنِّ الدبلوماسيَّة وعِلم الاجتماع ولُغة الجسد. ويُقصد بإتيكيت الصوت: (نبرة ومستوى الصوت لدى الشَّخص) وكان من أهمِّ الدروس الَّتي تدرَّس في المدرسة الفرنسيَّة الدبلوماسيَّة في نهاية القرن الثامن عشر؛ لكونه يعكس شخصيَّة الإنسان في المُجتمع. وكُلَّما كانت نبرة الصوت هادئة ومنخفضة دلَّل على رُقي الشَّخص في أخلاقه وتربيته ومستوى تعليمه. ويُعَدُّ إتيكيت الصوت في السلك الدبلوماسي من إحدى أهمِّ الدلائل الإيجابيَّة للدبلوماسي ورُقي معلوماته وحنكته وشخصيَّته، وخصوصًا في المحافل الدوليَّة وحضور المناسبات الوطنيَّة في ساحة عملهم.

إنَّ هدوء نبرة الشَّخص ومستوى صوته يُسمَّى في العُرف الدبلوماسي (الصوت الملكي أو السُّلطاني)؛ لكونه منخفض المستوى وهادئ النَّبرة ومعبِّرًا بنَفْس الوقت.. وهذا ما هو مطلوب في كُلِّ شرائح المُجتمع بدءًا من العائلة والَّتي هي أصغر مُكوِّن أو نواة بالحياة إلى أكبر التجمُّعات البشريَّة وهي الأسواق والمولات ومحطَّات القطارات وصالات المطارات..إلخ، ويستثنى من ذلك الجانب العسكري.

كانت مدرستنا الإسلاميَّة سبَّاقة، وهي الأولى في هذا المجال، حيثُ حثَّت على الصوت الهادئ المنخفض، وهناك آيات قرآنيَّة كريمة بهذا الخصوص، واضعين بِعَيْنِ الاعتبار المكانة الاجتماعيَّة والدِّينيَّة والعلميَّة والعمريَّة لكُلِّ شخص. وكانت هذه الآية الكريمة ذات دلائل كبيرة في هذا الموضوع، حيثُ أكَّد الخالق على أهميَّة خفض الصوت؛ لِمَا له من هيبة ووقار قال تعالى: (وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ) (لقمان ـ 12)، وهنا كلمة (اغضض) بمعنى (أخفض الصوت) على أن يكُونَ هادئًا وجميلًا.. وعليه، يَجِبُ علينا نحن أن نقتديَ بهذه الآية الكريمة ونجعل طبيعة تعاملنا مع الآخرين بنفس الأدب الربَّاني.

تؤكِّد الكتُب التاريخيَّة بأنَّ لقمان الحكيم يؤكِّد لنَا أنَّه لم يختَرِ الحمار في ضرب المَثل بالصوت العالي، إلَّا لأنَّه يؤذي السَّمع جدًّا، فضلًا عن أنَّه يكُونُ في ذلك الوقت يرى الشيطان لحديث رسول الله (صلَّى الله عليه وسلَّم): (إذا سمعتم صياح الديكة فاسألوا الله من فضله فإنَّها رأت ملكًا، وإذا سمعتم نهيق الحمير فتعوذوا بالله من الشيطان الرجيم فإنَّها رأت شيطانًا) (رواه البخاري).

والصوت العالي دليل على ضعف شخصيَّة الإنسان.. فإذا كنتَ على حقٍّ فليس هناك أيُّ داعٍ لرفع نبرة الصوت، وإنَّما تماسَك واثبتْ ثمَّ قدِّمْ ما بِيَدِك من حقٍّ يُخرس جميع الألسنة ويبَيِّن صحَّة موقفك، خصوصًا أنَّ علوَّ الصوت حذَّر منه الأطبَّاء بأنَّه يصاحبه ارتفاع كبير في ضغط الدم ما ينتج عنه أمراض لا حصر لها.

والرسول (صلَّى الله عليه وسلَّم) لا يحبُّ نبرة الصوت المرتفع، ونزلتْ آيات دالة على ذلك ومنها، قال تعالى: (يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لا تَشْعُرُونَ)، وهي آية نزلت في صحابي جليل كان صوته جهوريًّا، فلمَّا نزلت هذه الآية خشي أن تكُونَ فيه فحبس نفْسه في (حظيرة فرسه)، حتَّى أتى خبره النَّبي (صلَّى الله عليه وسلَّم) فبعَث إليه وقال له: أما تَرْضَى أنْ تَعيشَ حَمِيدًا وَتُقْتَلَ شَهِيدًا وَتَدْخُلَ الجَنَّةَ؟ فقال: رضيتُ ببُشرى الله ورسوله، لا أرفع صوتي أبدًا على رسول الله. فأنـزل الله تعالى هذه الآية: (إِنَّ الَّذينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى).

تختلف نبرة الصوت من مكان إلى آخر، ومن مناسبة إلى أخرى؛ فالخطابة تختلف عن نبرة ربِّ الأُسرة أو نبرة الأصدقاء أو نبرة العاملين في الأسواق.. وغيرها من الأماكن العامَّة.

حتَّى في قراءة القرآن الكريم لا يرفع المسلم صوته على أخيه حتَّى لا يؤذيه؛ فعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: اعْتَكَفَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَسْجِدِ، فَسَمِعَهُمْ يَجْهَرُون بِالْقِرَاءَةِ وَهُوَ فِي قُبَّةٍ لَهُ، فَكَشَفَ السُّتُورَ، وَقَالَ: «إِنَّ كُلَّكُمْ مُنَاجٍ رَبَّهُ فَلَا يُؤْذِيَنَّ بَعْضُكُمْ بَعْضًا، وَلَا يَرْفَعَنَّ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الْقِرَاءَةِ -أَوْ قَالَ: فِي الصَّلَاة» رواه الإمام أحمد في «مسنده».

د. سعدون بن حسين الحمداني

دبلوماسي سابق والرئيس التنفيذي للأكاديمية الدولية للدبلوماسية والإتيكيت