الأربعاء 01 أبريل 2026 م - 13 شوال 1447 هـ
أخبار عاجلة

ما هذا التهافت على «الاغتراب»

ما هذا التهافت على «الاغتراب»
الثلاثاء - 18 نوفمبر 2025 10:00 ص

أ.د. محمد الدعمي

20


طالما تساءلتُ مع نفسي: ما سرُّ هذا التهافت على فكرة «الاغتراب» في الثقافة العربيَّة المعاصرة. والحقُّ، فإنِّي قد وجدتُ أنَّ الاغتراب Alienation هو صفة ملازمة لكافَّة الأدباء والمثقفين عَبْرَ العالم: فهؤلاء هم «نُخبة» من الأذهان المُرهفة الحساسيَّة الَّتي تجدُ نَفْسَها غريبةً عندما تحتكُّ بالواقع الَّذي لا يتناغم مع طبيعة أفكارها «الحلميَّة» أو المائلة إلى عالم طبيعي جميل يُشبه عالم الأفلام المتحركة (الكارتون) لدَى صغار السِّن الَّذين يحلمون كذلك بعالم أجمل من عالمهم في المنزل أو المدرسة.

والحقُّ، فإنَّ واحدًا من أقوى تعابير الاغتراب في الثقافة الغربيَّة هو ما كتَبَه المفكِّر البريطاني الفكتوري ماثيو آرنولد Matthew Arnold، إذ وجد ذاته ممزقًا بَيْنَ عالمَيْنِ الأوَّل رعوي/زراعي، والثَّاني صناعي: العالم الأوَّل لا يموت، بَيْنَما العالم الثَّاني عصيٌّ على الولادة.

ومن ناحية ثانية، فقَدْ لاحظتُ أنَّ الاغتراب يعكس تأثُّر الثقافة العربيَّة وآدابها بالثقافات الأوروبيَّة الحديثة كذلك. وليس هذا بغريب على ثقافة تميل إلى المحاكاة؛ لأنَّها أدنى إبداعًا وابتكارًا من ثقافات عاشتْ شروخ الثَّورة الصناعيَّة والحروب العالميَّة، إذ ظهر «الاغتراب» نتيجة طبيعيَّة لاحتكاك الذَّات الحسَّاسة بواقع خشنٍ غير قادر على تلبية رغباتها وتطلُّعاتها إلى عالم جميل، عالم هو في حقيقته الــ»لامكان» Utopia، بوصفه اللَّفظ الأقرب إلى عالم المستحيل؛ لأنَّه عالم فردوسي لا يُمكِن إدراكه أو الوصول إليه حتَّى بالتشبُّث بالرؤى.

وهنا للمرء أن يستذكر (غريب) ألبير كامو Camus Albert ،The Outsider و(اللامنتمي) لكولن ولسن Collin Wilson الكاتبيْنِ اللَّذيْنِ ترها آثارًا قويَّة وشاخصة حتَّى اللَّحظة في ثقافتنا العربيَّة المعاصرة. وهي الثقافة الَّتي عَبَّرَت عن تبعيَّتها للثقافات الأوروبيَّة عن طريق قنوات «التعريب» و»الترجمة» الَّتي تحوَّلت إلى معيار أساس لتأشير تطوُّر وتقدُّم الثقافات الفرعيَّة عَبْرَ دول الوطن العربي: إذ تحوَّلت الترجمة إلى «المعيار» الأساس على تعقيد الثقافة وتفوُّقها: بَيْنَ «حوانيت» الترجمة في قاهرة الخمسينيَّات وبيروت الستينيَّات ومشاريع «المئة كِتاب مترجم» في بغداد الثمانينيَّات والتسعينيَّات. وهكذا تحوَّل التَّهافتْ على «الاغتراب»، من «فكرة» مستعارة، إلى شكلٍ من أشكال عبادة التعريب والعرب!

أ.د. محمد الدعمي

كاتب وباحث أكاديمي عراقي