عندما ننظر لِمَن حَوْلَنا، سنلاحظ كيف أنَّ ذكريات الناس لا تقبع بهدوء في خلفيَّة حياتهم فحسب، بل هي تتحرك من خلالهم، وتشكِّل طريقة تفكيرهم ورُبَّما كيف يشعرون، وحتَّى كيفيَّة عمل أجسادهم. في بعض الأحيان قد نرى كُلَّ يوم كيف يعيش الماضي داخل ذلك المريض، أحيانًا كمصدر للقوَّة، وأحيانًا كجرح غير ملتئم. لذلك عندما نبحث في دراسات الدماغ والذكريات سنلاحظ كيف أنَّ الدماغ البشري لا يخزن الذكريات مثل الملفات في خزانة ـ مثلًا ـ بل يُعِيد تنشيطها، ويُعِيد أيضًا خلق الحالات العاطفيَّة والفسيولوجيَّة الَّتي رافقتها أولًا! وهنا يوضح عِلم الأعصاب أنَّ ما يُطلق عليهما اللوزة الدماغيَّة والحصين يعملان معًا لتعيين معنى ونبرة عاطفيَّة للتجارب، ممَّا يسمح لبعض الذكريات بالتلاشي والبعض الآخر بالاحتراق بعُمق في الوعي. ما أعنيه هنا أنَّه عندما يخبرني مريض عن ذكرى لا تزال تزعج نومه، أو تضيق صدره، حقيقة لا أعدُّها مجرَّد ذكرى، بل أفهمها على أنَّها حدَث بيولوجي نشط يظهر من جديد في اللَّحظة الحاليَّة.
وحقيقة هنا بَيَّنَت دراسات متعددة كيف أنَّ المرضى الَّذين يسترجعون ذكريات مؤلمة يظهرون مستويات أعلى من القلق وأعراض الاكتئاب والتوتر المزمن. ومن هذه الدراسات، دراسة في عِلم الأعصاب لعام ٢٠٢٤ أظهرت أنَّ الثقل العاطفي للذكريات، كالشعور بالعجز أو الفقد المرتبط بها، ينبئ بضيق نَفْسي طويل الأمد بشكلٍ أقوى من الحدث نَفْسه. ولعلَّنا هنا نلاحظ لدى هؤلاء المرضى كيف يتصرف الماضي كعامل ضغط مزمن عليهم. وهكذا تظل أنظمتهم العصبيَّة نشطة ويكُونُ نومهم متقطعًا.
وهذا يقودنا فعليًّا إلى نقاط في غاية الأهميَّة، يَجِبُ علينا إدراكها ألا وهي: أنَّ هذه الذكريات المُجهِدة قد ترفع مستوى الكورتيزول، وتضعف الاستجابات المناعيَّة، بل وتزيد من إجهاد القلب والأوعية الدمويَّة. وعليه، هنا ظهر مفهوم طبي معروف باسم (الإدراك المثابر) وكيف أنَّ إطالة التفكير المُتكرر في أحداث الماضي يزيد استجابة الجسم للتوتر، ممَّا يزيد من مخاطر ارتفاع ضغط الدم، وحتَّى زيادة الأمراض الالتهابيَّة. ومن ذلك أيضًا على مرِّ السنين، تابعت مرضى يعانون من انزعاج معوي مستمر أو شدٍّ عضلي غير مبرَّر، والَّذي أجدُه مع الوقت قد يعود إلى تجارب عاطفيَّة لم تحل، وليس إلى أمراض نشطة!
ومع ذلك، لا تقتصر آثار الذاكرة على الألم. فالذكريات الإيجابيَّة أيضًا لها قوَّة علاجيَّة، حيثُ أظهرت الأبحاث النفْسيَّة والعصبيَّة أنَّ تذكُّر تجارب الحياة المبكرة الدافئة أو الإنجازات ينشِّط مسارات المكافأة في الدماغ، ويخفض هرمونات التوتر.
وهكذا سنرى أنَّه عندما يتواصل المرضى مجددًا مع اللحظات الَّتي شعروا فيها بالأمان أو الحُب، يتباطأ تنفُّسهم، وتخفُّ وضعيَّتهم، ويتعزز شعورهم بالاستقرار.
وبالتَّالي ما أوَدُّ التأكيد عليه هنا، أنَّ الذاكرة ـ بلا شك ـ عامل مُهمٌّ في صحَّة الإنسان. فطريقة تذكُّر الشخص يُمكِن أن تشكِّلَ مزاجه وعلاقاته، وقراراته المستقبليَّة.
وطبعًا عندما نعالج المرضى، فإنَّنا لا نعالج لحظة من الزمن، بل نعالج تجربة متراكمة طوال العمر. ولذلك، تشجِّع الأساليب الحديثة المرضى على التحدث عن ماضيهم، لا لإحياء ذكرياتهم بألَمٍ، بل لفَهمِها وفَهْمِ طبيعة تطوُّر بعض أعراضه.
ختامًا، عندما نتعلم كيف نتعامل مع ذكرياتنا، بدلًا من محاربتها أو دفنها، حتمًا نفتح طريقًا نَحْوَ صحَّة نفْسيَّة وجسديَّة أفضل.
وهكذا مع كُلِّ مريض يدخل العيادة، يرافقه الماضي، ومعه أيضًا إمكانيَّة الشفاء ـ بإذن الله ـ.
د. يوسف بن علي الملَّا
طبيب ـ مبتكر وكاتب طبي