أمَّا المرحلة الأكثر أهميَّة بقدر تعلُّق الأمر بالموضوع أعلاه، فقد بدأت مع وبعد حقبة الاستقلال السياسي الَّتي شهدتها الدول العربيَّة والإسلاميَّة مع بدايات القرن الماضي (العشرين)، إذ تطلب بناء الدولة المستقلة تأسيس أذرع سياسيَّة ودبلوماسيَّة وعسكريَّة وثقافيَّة، دوائر متخصِّصة تحتاج إلى كوادر متدربة تدريبًا أكاديميًّا رفيعًا في حقل اللُّغات الأجنبيَّة. وقد لاحظتُ ذلك في كُليَّة الآداب بجامعة بغداد بعد أن قُبلت للدراسة فيها (1974): فقد وجدتُ أنَّ «فرع اللُّغة الإنجليزيَّة» كان جزءًا من قِسم «اللُّغات الأوروبيَّة» الَّتي كانت تدرس وتدرّس سويَّة مع فروع «اللُّغة الفرنسيَّة» و»اللُّغة الألمانيَّة» و»اللُّغة الروسيَّة» بَيْنَما احتوى قِسم «اللُّغات الشرقيَّة» على فروع مماثلة في هذه الألسن: فرع «اللُّغة الفارسيَّة» و»اللُّغة التركيَّة» و»اللُّغة العبريَّة» و»اللُّغة الكرديَّة» واللُّغات القديمة كالكلدانيَّة والآراميَّة، من بَيْنِ سواهما.
وقد عملت هذه الأقسام والفروع المُهمَّة على تجهيز دوائر الدولة العراقيَّة بما تحتاج إليه من الخريجين الَّذين يتقنون اللُّغات المهمَّة أعلاه، إذ امتصَّت هذه الدوائر طاقاتهم عَبْرَ وزارات الخارجيَّة الدفاع والثقافة والإعلام، ناهيك عن أقسام اللُّغات اللُّغة الإنجليزيَّة في كُليَّات التربية والتربية للبنات! وقد كانت كُليَّة التربية للبنات الَّتي ترأستُ قِسم اللُّغة الإنجليزيَّة فيها لمدَّة معيَّنة هي آخر محطَّة لي في خدمتي بالمؤسَّسة الأكاديميَّة العراقيَّة، وذلك بعد أن تقرَّر استقطاب أقسام اللُّغات الأجنبيَّة أعلاه في كُليَّة متخصِّصة واحدة، وهي «كُليَّة اللُّغات» بجامعة بغداد، مُشكِّلة المعادل الموضوعي لمدرسة الألسن الَّتي أسَّسها والي مصر، محمد علي باشا..
وهنا لا بُدَّ من الإشادة بحكومات بعض الدول الغربيَّة الَّتي عملت على تأسيس معاهد متخصِّصة بتدريس لُغاتها القوميَّة في بغداد وفي سواها من عواصم وحواضر عالمنا العربي المترامي، كما كانت عليه الحال مع «المعهد البريطاني» و»المعهد الفرنسي» و»معهد جوته الألماني» و»مركز الشرق الأوسط الأميركي» وجميعها كانت في بغداد! وهكذا استجابت جميع هذه المؤسَّسات الثقافيَّة المتخصِّصة لرغبة الشابَّات والشبَّان في العراق وفي سواه من الدول العربيَّة الشقيقة لتعلُّم اللُّغات الأجنبيَّة وللمُضي قُدمًا في تعزيز التبادل الثقافي وتقويته على طريق فتح النوافذ الثقافيَّة والفكريَّة ومدّ الجسور بَيْنَ حضارتنا العربيَّة الإسلاميَّة والثقافات الأجنبيَّة.
أ.د. محمد الدعمي
كاتب وباحث أكاديمي عراقي