الأربعاء 01 أبريل 2026 م - 13 شوال 1447 هـ
أخبار عاجلة

فـي بلاد «مانديلا» «إما أن تكون حرا أو لا تكون» «3ـ7»

فـي بلاد «مانديلا» «إما أن تكون حرا أو لا تكون» «3ـ7»
السبت - 15 نوفمبر 2025 10:30 ص

سعود بن علي الحارثي

30


ثالثًا: «المدينة النائمة في أحضان تيبل». 1

تقع «جنوب إفريقيا»، في أقصى الطرف الجنوبي للقارَّة الإفريقيَّة، وحدودها الجغرافيَّة تتصل بكُلٍّ من ناميبيا ـ بوتسوانا ـ زيمبابوي ـ موزنبيق ـ وإسواتيني... يُعَدُّ اقتصادها الأقوى والأسرع نموًّا وتطورًا في إفريقيا، وهو ما جعل منها بلدًا متقدِّمًا، يمتلك بنية أساسيَّة تتميز بالحداثة والمتانة، وتمتدُّ إلى مُعْظم مُدُن ومناطق البلاد، وعلى خلفيَّة تاريخها الاستعماري الطويل، الَّذي بدأ مع قدوم الهولنديين، في 1652م، وخلفهم البريطانيون الَّذين استمروا لعقودٍ طويلة من الزمن، توجد فيها أعداد ضخمة من ذوي الأصول الأوروبيَّة والهنديَّة وقوميَّات أخرى، أصبحوا جزءًا من تركيبتها السكانيَّة، وهو ما ميَّزها كذلك عن البلدان الإفريقيَّة الأخرى، فهي من «أكثر الدول تنوعًا في إفريقيا»، ومع ذلك يُشكِّل نسبة السود الأفارقة نَحْوَ (80) في المئة من عدد السكان. «الحزب الوطني»، الَّذي مارس سياسات الفصل العنصري، قبض على زمام السُّلطة في البلاد عام 1948م، معلنًا عن تحكُّم وسيطرة أربعة ملايين من البِيض الأوروبيين على بقيَّة السكان ـ المقدَّر عددهم بنَحْوِ (29) مليون إفريقي ـ بالحديد والنار والعزل والاستعمار، وغياب كُلِّي للحُريَّة والعدالة والمساواة.. فلم يستسلم هؤلاء للسياسة العنصريَّة البغيضة، وظلوا لعقود في صراع مستمر مع النظام الحاكم، إلى أن تمكَّن «المؤتمر الوطني الإفريقي»، المناضل من أجل تحصيل حقوق الأغلبيَّة السوداء، من حكم البلاد برئاسة نيلسون مانديلا، وإلغاء القوانين والأنظمة الخاصة بالفصل العنصري... فلا غرو أن يرد اسمها في عدد من الكتب والدراسات المتخصصة، كنموذج لإقرارها ضمانات وحقوق تكافح التمييز والفقر وتراعي ظروف كبار السِّن، وتحميهم من العوز والحاجة ـ وإن كانت المقارنة المباشرة تعلن على أنَّ الفجوة لا تزال كبيرة بَيْنَ التنظير والدراسات والخطط والواقع الملموس ـ يلفت مؤلفا كِتاب «اقتصاد الفقراء»، «أبهيجيت بانرجي» و»إستر دو فلو»، نظرنا بالإشارة إلى أنَّ جنوب إفريقيا، «ومع أفول سياسة التفرقة العنصريَّة، أصبح يحقُّ للرجال جميعًا ممَّن تخطّوا سنَّ الخامسة والستين وللنساء ممَّن تخطّين الستين وليس لدَيْهم راتب تقاعدي خاص، أن يتقاضوا معاشًا حكوميًّا سخيًّا. ولأنَّ كثيرين من هؤلاء الكبار في السِّن يعيشون مع أبنائهم وأحفادهم، فقد كان المال يتمُّ مشاركته مع الأُسرة». من مكتب سياحي مرفق بالمطار استلم الابن محمد الميكروباص من فئة «مرسيدس»، الَّتي تمَّ حجزها إلكترونيًّا من مسقط ورافقتنا طوال أيَّام تطوافنا الخمسة عشر يومًا، متَّجِهِين مباشرة إلى مقر الفندق الَّذي اخترناه في قلب «كيب تاون»، وكانت المشاهد توحي بالجَمال والتناسق البديع، بَيْنَ مفردات الطبيعة الهِبة الإلهيَّة، وحُسن العمارة وروح التقدُّم وملامح العصرنة الَّتي تجري في جنوب إفريقيا بخطط مدروسة وإيمان وطني وثقة مسنودة بالعلم والمعرفة، تعمق في الإنسان السلام الداخلي والطمأنينة والتعلق بالمدينة والشعور بأنَّه يحلِّق مع الضباب في قمم الجبال يرتوي من ماء السماء رحيق السُّحب الَّتي تحتضن القمم، ويروي مطرها الأرياف والجنائن والحدائق والغابات الَّتي تُخفي جوهرتها «كيب تاون» عن النظر المباشر والمكشوف خوفًا عليها من العين والسِّحر وحِقد الحاقدين. فالجَمال والحُسن وغنى الطبيعة وإبداع الإنسان تزهر في كُلِّ نفْس وتجري في شرايين «كيب تاون»، مجرى الدم فيها، فلا غرو أن تمتلك شغاف قلوب البشر الَّذين يقعون في حُبها، فقد ولدت فعلًا من رحم الطبيعة ووهبتها أجمل ما تملك، ومن فكر الإنسان الخلَّاق تمَّ استثمار هذه الخصيصة والاستثنائيَّة في إبداع لوحة فريدة سُميت «كيب تاون»، شوارع فسيحة نسير عليها تطل من القمم والسفوح على الأطلسي جوهرة المحيطات، وعيون الكاميرا لا تتوقف عن التقاط أجمل الصوَر الَّتي تخلدها الذاكرة، عيون مائيَّة، أعشاب وزهور بَرِّيَّة، غابات وجنائن وحدائق وأراضٍ خضراء خصبة تسلب عقول مَن يمتلكون الذَّوق والشعور والإبداع وعشَّاق الطبيعة، أحياء أوروبيَّة ذات طرز معماريَّة مدهشة، فِلل وبيوت فخمة أنيقة في تناسق تصاميمها وألوانها.. نتوجَّه لزيارة رأس الرجاء الصالح، فنكتشف بمحض المصادفة مستعمرة البطاريق، نودِّعها وقَبل أن نصل إلى مقصدنا نفاجأ بمحميَّة القرود، ومزرعة النعام، وشواطئ هي الأجمل على مستوى العالم، وجنان شكَّلتها الطبيعة ليفتتنَ بها الإنسان وتجعلَه أسيرًا عاشقًا للمكان، متيمًا بالحُسن، سحب ثقيلة تتقدم إليها من خلف الجبال في ساعات الليل المتأخر، تتشكل وتلتئم وتتهيأ لتسكبَ مطرها الهطل على المدينة قَبل أن تنقشعَ في ساعات الصباح الأولى، وكأنَّها عاهدت «كيب تاون» بأن تتولى يوميًّا غسلها وتنظيفها وإزالة كُلِّ ما علق في سمائها وجبالها وأشجارها وترابها وعمارتها من إفرازات وغبار وأتربة لتبقى كما أريد لها أنيقة نظيفة جميلة مُشرقة بالحُسن والبهاء... ولأنَّها هبة الطبيعة وحاضنتها وتتولى رعايتها وحمايتها فتأخذ الشمس دَوْرها مباشرة مُلقية بأشعَّتها الهادئة الخفيفة المنعشة والدافئة محفِّزة على النشاط والحركة والعمل وممارسة الرياضة في مئات المماشي بَيْنَ الجنائن والزهور والأشجار وبسط من العشب وعلى الشواطئ الهادرة، لِيبقَى الإنسان أسيرًا عاشقًا لجَمال يقهر ولا يقهر... فلا غرو أن يطلق عليها فاتنة المُدن الإفريقيَّة وملكة مُدن العالم، فالأناقة عنوان لصيق بها، يتجلى في كُلِّ مفردة من مفردات جَمالها، فهل «كيب تاون» هي أجمل مُدن العالم فعلًا؟ وهل يُمكِن أن نصنفَ أو نحكم على مدينة ما، في هذا العالم المترامي الأطراف، فنعلنها ملكةً لجَمال المُدن؟ وإذا كان ذلك ممكنًا فما المواصفات والملكات الَّتي ينبغي أن تتفردَ بها لِتتبوأَ هذه المكانة الرفيعة وتجلس على عرش الجَمال مزهوةً بتاج الملكة؟ وهل يُمكِن لفرد أو بضعة أفراد أن يصدروا أحكامًا تصنِّف المُدن بكونها الأجمل والأفضل والأكثر تقدُّمًا وعصرنة وحُسنًا، وترحيبًا بزوَّارها وقدرة ونجاحًا في إسعادهم... بمعنى، مَن الَّذي أعطاهم هذا الحقَّ في إصدار الأحكام الخاصَّة بالمُدن...؟ عنَّت لي هذه الأسئلة وأنا أتنقل بَيْنَ محركات البحث ومراجعة نتائج ما توصلت إليه من معلومات وصوَر عن مدينة «كيب تاون»، وتعليقات وأسئلة تطرح، وإجابات تلقى من معجبين وسيَّاح وهواة حنَّكتهم التجارب والخبرات؛ لكونهم طافوا وزاروا معظم بلدان ومُدن العالم، والَّتي تَدُور وتتمحور حَوْلَ جَمال وفتنة «كيب تاون»، وتصنيفها كواحدة من أجمل مُدن العالم، أو الأجمل على الإطلاق، مستندين في هذا الحكم إلى التنوع الطبيعي الهائل والطقس المعتدل المنعش طوال العام، والاستمتاع بالإطلالات والمناظر الساحرة الَّتي لا تضاهى ولا تقارن بأيِّ مكان آخر في هذا العالم الفسيح. والتاريخ المحلِّي الغني بالأحداث والتجلِّيات الإنسانيَّة والمخاطر الجسام الَّتي تُشكِّل نموذجًا إنسانيًّا فريدًا، وتقدِّم دروسًا عميقة بالمعاني والدلالات المحفِّزة على التضحيات من أجل الوطن والحُريَّة والاستقلال والعدالة... «يتبع».

سعود بن علي الحارثي

[email protected]