شكَّل فوز زهران ممداني بمنصب عمدة مدينة نيويورك، ثورة على التقاليد الاجتماعيَّة والسياسيَّة الراسخة، في مدينة سيطر عليها اليهود لعقود طويلة، الأمر الَّذي يشير لحقبة جديدة تشهد تحوُّلات جذريَّة عميقة في المُجتمع الأميركي، وتُعِيد تشكيل المشهد السياسي في الحزبَيْنِ الكبيرين المهيمنين على الحكم في أقوى دولة في العالم. فقد شهدت انتخابات عمدة نيويورك مولد جيل جديد من الشَّباب التقدُّمي، الَّذي يعتنق أفكارًا ومبادئ أخلاقيَّة، مخالفة للأفكار الرأسماليَّة البالية، الَّتي طالما ترسَّخت لدى جيل الآباء والأجداد.
فهذا الجيل يرفض الاستبداد والظلم والعنصريَّة، وضد الإضرار بالبيئة، كما تخلص من فزاعات من قبيل؛ معاداة السامية والإسلاموفوبيا والخوف من الأقليَّات الَّتي يتبنَّاها التيَّار الشَّعبوي الأميركي، لم يتردد لحظة في الوقوف في وجْه العدوان «الإسرائيلي» على غزَّة، وظلوا طوال العامين الماضيين في تظاهرات صاخبة تنديدًا بالعدوان «الإسرائيلي» وداعمين لغزَّة، غير عابئين بالتهديد والوعيد الَّذي وصلَ حدَّ التلويح بفصلهم من الجامعات وضياع مستقبلهم الدراسي، أو إسقاط الجنسيَّة الأميركيَّة وترحيلهم خارج البلاد.
تجلَّت ملامح هذه الثورة في الانتخابات التمهيديَّة للحزب الديمقراطي، والَّتي عكست هذا الاندفاع الهادر للقاعدة الشَّعبيَّة للحزب نَحْوَ جيل الشَّباب، فكان فوز ممداني بترشيح الحزب، والَّذي استطاع الفوز في مواجهة المرشّح المستقل أندرو كومو المدعوم من الرئيس ترامب، ليؤكد هيمنة التيَّار الجديد الَّذي يُمثِّل فئة الشَّباب والأقليَّات المختلفة، وهزيمة التيَّار التقليدي أو الحرس القديم، رغم الدعم الكبير من قادة الحزب، والإمكانات الماليَّة الَّتي وضعت تحت تصرف المرشّح المنافس.
هذا التيَّار الجديد استطاع استقطاب فئات واسعة من الجاليات والمهاجرين، الَّذين ظلوا لسنوات طويلة مهمّشين، بسبب رفضهم الاندماج وخشيتهم من المشاركة السياسيَّة، تاركين الساحة للوبي اليهودي الَّذي يملك المال والنفوذ، ليأتيَ بالمرشّح الَّذي يتبنَّى أجندتهم وينفِّذ شروطهم والَّتي تبدأ وتنتهي بتأييد «إسرائيل».
ورغم أنَّ نيويورك يعيش فيها أكبر تجمع لليهود خارج «إسرائيل»، نجح ممداني في الحصول على أصوات الأغلبيَّة، بسبب توافُق رؤيته مع تطلُّعاتهم، على الصعيد الداخلي، والقضايا المحليَّة اليوميَّة الَّتي تهمُّ المواطن الأميركي، مثل الإيجارات والعقارات والوظائف والمواصلات والأجور، وتكاليف المعيشة، وهي الملفات الَّتي تهمُّ السواد الأعظم من الأميركان الآن؛ جرَّاء موجة الغلاء والتضخم الَّتي يعانونها منذ فترة حكم بايدن، والَّتي جاء ترامب مبشرًا بزوالها بمجرَّد فوزه بفترة رئاسيَّة ثانية، ولكن مضت الشهور، والأسعار مشتعلة والأوضاع الاقتصاديَّة والمعيشيَّة ما زالت سيئة.
لم يلجأ ممداني لأساليب الدعاية التقليديَّة بالظهور في محطَّات التليفزيون الشهيرة، والصحف الذائعة الصِّيت، فقد أدرك أنَّ أجيال الشَّباب أصبحت لا تشاهد التليفزيون ولا تقرأ الصحف المطبوعة، لكنَّه اتَّجه إلى وسائل التواصل الاجتماعي، واستفاد من هوايته القديمة في الغناء، فقد كان «رابر» شهيرًا، وطاف على المقاهي، والحانات، وطرق أبواب الناخبين مباشرة، وتحدَّث معهم واستمع لشكاواهم ومطالبهم وطموحاتهم، وحرص على حفظ أسمائهم وأرقام هواتفهم، والتواصل معهم عَبْرَ «الواتساب» ومشاركتهم أفراحهم وأتراحهم، والاحتفال بأعياد ميلادهم.
أميركا والغرب على أعتاب حقبة جديدة، بعد صعود جيل جديدة يتحلى بالضمير، ويرفض التعميم تجاه المهاجرين، وتوجيه التُّهم جزافًا تجاه الأقليَّات، خصوصًا من العرب والمسلمين، وإلصاق جرائم التطرف والإرهاب بهم بدون دليل، لم يتأثر بالدعاية السلبيَّة الَّتي روَّجتها جماعات الضغط الصهيونيَّة، الَّتي انكشف كذبها، بعد العدوان «الإسرائيلي» على غزَّة وجرائم الإبادة الجماعيَّة الموثَّقة الَّتي اقترفها قادة «إسرائيل» وجيشها.
محمد عبد الصادق
كاتب صحفي مصري