تاريخ علاقة الإنسان بالأرض يكشف جانبًا مظلمًا لدَيْنا، فالرغبة في البقاء تحوَّلت إلى شهوة للهيمنة، ومع كُلِّ خطوة نَحْوَ ما اعتبرناه تقدُّمًا تراجعنا خطوة عن التوازن، فجعلنا الثروة وسيلة للتسلط بدل أن تكُونَ وسيلة للحياة، واستبدلنا لُغة الطبيعة بلُغة الأسواق، فصارتِ الغابة سلعة، والبحر خزانًا، والهواء موردًا يُباع ويُشترى. هذا الكوكب فقَدَ عافيته من جريرة أيدينا، الَّتي حوَّلت الإنتاج إلى معركة ربح، بدلًا من أن تكُونَ مشروع حضارة، قراراتنا الاقتصاديَّة وشرائعنا السياسيَّة جعلت الجشع مبدأ، والاستهلاك معيارًا للنجاح، خصوصًا بعد توالي ثورتنا الصناعيَّة، وأصبح التوسع غاية تبرِّر تدمير الأرض! فنحن الَّذين أزلنا الغابات طمعًا، وغيَّرنا مجاري الأنهار بحثًا عن الطاقة، وأشعلنا الحرائق لنزرع مصانع جديدة مكان الحقول. وحين ارتفع الدخان واشتد الحَر، رفعنا الشعارات وأسمينا الدمار نموًّا! لم تدمر الطبيعة نفسها، نحن مَن فعلنا، ونحن مَن صدَّق ولا يزال يصدِّق أنَّ هذا الاحتراق هو طريق إلى التقدم.
إنَّ ما يحدُث في ملف البيئة مرآة لوعي الإنسان قَبل أن يكُونَ انعكاسًا لقرارات الحكومات، فالأنظمة تتحرك حين تضغطها المُجتمعات، والمُجتمعات لا تضغط إلَّا حين يتغيَّر سلوكها، والحديث عن الاقتصاديين المستغلين باتَ نغمة نشاز. فالوعي الفردي هو نقطة البداية في كُلِّ تحوُّل حقيقي، فالتغيُّر المناخي قضيَّة قريبة من حياة الناس ونتيجة مباشرة لاختياراتهم اليوميَّة في الاستهلاك والإنتاج، قَبل أن تكُونَ نتيجة للسياسات اقتصاديَّة، فلا يُمكِن لأيِّ دولة أن تبنيَ اقتصادًا مستدامًا والطاقة المتجدِّدة غريبة عن وعي مواطنيها، حين يضع الإنسان مصلحته فوق مصلحة الكوكب، يتحول التقدم إلى عبء، وحين يغيب الإيمان بقيمة التحوُّل يفشل أيُّ مشروع مهما بلغت كفاءته. فالتكنولوجيا وحدها لا تصنع التنمية المستدامة، والتفاعل الاجتماعي يمنحها الحياة ويحدِّد نجاحها، فالمطلوب تغيير في العقل قَبل البنية، وتأسيس ثقافة تجعل ترشيد الطاقة جزءًا من الانضباط الاقتصادي، وتشجع على المشاركة لا التلقي، فالحكومات تضع الخطط، وسلوك الناس هو الَّذي يمنحها المعنى والقدرة على الاستمرار .
عملي في مجال الطاقة المتجدِّدة كشف لي أنَّ التحدِّي الأكبر ليس في التقنية، وإنَّما في العقول الَّتي تخشاها، حين أتحدث مع مسؤول عن مشروع للطاقة النظيفة وأرى التردد يسبق القرار، أدرك أنَّ الخوف من التغيير أقوى من الرغبة في التقدم، فكثيرون ما زالوا يرون الوقود الأحفوري ضمانًا، ويعدُّون التحوُّل الطاقوي مغامرة، وهو طريق الأمان الحقيقي، برغم ما يصنع هذا التزمت من خسائر اقتصاديَّة، برغم أن لدى الدولة توجُّهًا بوضوح نَحْوَ الاستدامة والحياد الصفري الكربوني. ومع ذلك يبقى الوعي المُجتمعي حجر الأساس في إنجاح هذا التحوُّل. فالمسؤول إنسان في المقام الأول، إنسان يَجِبُ أن يدرك أنَّ الطاقة المتجدِّدة تُمثِّل اقتصاد المستقبل وأساس الاستقلال الوطني. فالتجارب اليوميَّة أثبتت أنَّ مقاومة التطور تنشأ داخل الفكر قَبل أن تظهر في الواقع، وأنَّ المصلحة العامَّة لا تتحقق إلَّا حين يفهم الإنسان أنَّ حماية البيئة حماية لحياته، وأنَّ نجاحه المهني مرهون بالفكر المتجدِّد، فكُلُّ مشروع طاقة نظيفة يواجه معركة إقناع قَبل أن يبدأ، وكُلُّ نجاح يتحقق يفتح نافذة جديدة على وعي المُجتمع. لذا فضروري أن يبدأ التحوُّل من الداخل، من لحظة يدرك فيها الإنسان أنَّ وعيَه انعكاس لقِيمة ما ينتمي إليه، سواء كان مصنعًا أو شركة أو مدينة أو دولة، وأنَّ مسؤوليَّته تجاهه هي مقياس وعيه الحقيقي.
إنَّ التحوُّل نَحْوَ الطاقة النظيفة هو اختبار حقيقي لقدرة الإنسان على بناء حضارة تحترم الحياة، فالمستقبل يقاس بما نصنعه من وعي يحمي ما ننتجه من الهدر والأنانيَّة، والخطط لا تنجح حين يبقى الفكر أسير المفاهيم القديمة الَّتي ترى الوقود الأحفوري أمانًا دائمًا، فتحقيق الاستدامة المرجوة يتطلب تطوير العقول بدءًا من الإنسان العادي وصولًا إلى صاحب القرار، فالعقل الواعي هو المحرك الأول لأيِّ تحوُّل ناجح، والمرحلة القادمة تحتاج إلى إرادة تحوّل القناعات إلى سلوك يومي، وتؤسِّس عقلًا اقتصاديًّا يربط بَيْنَ الكفاءة والبيئة في منظومة واحدة للتنمية، والتحوُّل الطاقوي يُمثِّل خيارًا وطنيًا يُعِيد تعريف الأمن الاقتصادي والاجتماعي على أساس الوعي والمسؤوليَّة، فالنجاح في هذا المسار يقاس بقدرة المُجتمعات على حماية منجزها وتحويله إلى ثقافة إنتاج مستمرة.. علينا أن ندرك أنَّ العالم يتَّجه نَحْوَ طاقة نظيفة لا تعرف التردد، ومَن يتأخر اليوم سيجد نفسه غدًا خارج دائرة الفعل والتأثير.
إبراهيم بدوي