الأربعاء 01 أبريل 2026 م - 13 شوال 1447 هـ
أخبار عاجلة

أهمية تعزيز المشاركة السياسية لصحة العلاقة بين المجتمع والدولة

أهمية تعزيز المشاركة السياسية لصحة العلاقة بين المجتمع والدولة
الأحد - 09 نوفمبر 2025 10:58 ص

محمد بن سعيد الفطيسي

10


يبدو أنَّ المرحلة السياسيَّة الراهنة الَّتي تمرُّ بمحيطنا العربي تحديدًا، وعندما نقول المرحلة السياسيَّة فنحن بذلك نعني الوضع السياسي العربي القائم، حيثُ التغيُّرات الَّتي أحدثتْها أحداث ما أُطلق عليها أدبيًّا (بالربيع العربي)، خصوصًا الإصلاحات الَّتي تبنَّتها تلك الدول في الجانب السياسي، يضاف إلى ما سبق تأثير المتغيرات الاقتصاديَّة والأمنيَّة الَّتي تحيط بخريطة الوطن العربي والَّتي أصبحت بأمسِّ الحاجة إلى نقاشات مُجتمعيَّة مفتوحة حَوْلَ السياسات العامَّة للدول، وطبيعة العلاقة ما بَيْنَ الأنظمة السياسيَّة والشعوب.

الهدف من تلك النقاشات العامَّة تحسين ثقافة الحوار والمشاركة والمسؤوليَّة بَيْنَ أفراد المُجتمع(الشَّعب) من جهة، والحكومات الَّتي تدير شؤون حياتهم من جهة أخرى. وبدلًا من أن يستند صانعو السياسات العامَّة ومتخذو القرارات، وأصحاب المصلحة في مطابخ صنع القرار إلى ادّعاءات مبنيَّة على الحدس أو الخبرة المختارة في شكل مقصود لدعم مصالحهم، أو عَبْرَ تلك السياسات القائمة على أفراد تمَّ اختيارهم بسبب علاقات أو مصالح أو مكافآت سياسيَّة، فإنَّه ينبغي تطوير برامج تدبير السياسات العامَّة والاستعانة بالحجج المبنيَّة على تقييمات علميَّة موضوعيَّة تنجزها الجامعات ومراكز الأبحاث المستقلَّة.

ونظرًا لأنَّ لكُلِّ موقف خصائصه، خصوصًا تلك الَّتي تحدُث في أوقات التغيير والحركة التاريخيَّة للمُجتمعات، الأمر الَّذي يفرض على القائد ـ وبمساندة النُّخب ـ براعة التحرك باستخدام أساليب معيَّنة تتفق مع مقتضيات مواجهة كُلِّ موقف أو أزمة أو تغيير على المستوى المُجتمعي، خصوصًا ما يتعلق منها بالثقافة والوعي السياسي، وموازنة الاحتياجات المُجتمعيَّة مع الإمكانات الحكوميَّة. ويظل المحك الأساس لنجاح المواجهة مرتبطًا من ناحية بِدَوْر القائد في خلق التفاعل والمشاركة، ويرتبط بها من ناحية أخرى بقدرة القائد على التعبير عن قِيَم ومثاليَّات الجماعة، بالإضافة إلى قدرته على تقريب الكفاءات المختلفة، خصوصًا تلك الَّتي يُمكِن أن تساعدَه على التقارب مع المُجتمع أو تعزيز مكانة النظام السياسي في الحياة السياسيَّة.

من جانب آخر تُعَدُّ زيادة ترابط وقوَّة علاقة الحكومة بالمواطنين حافزًا يشجِّع المواطنين على بذلِ الوقت والجهد للمشاركة في الشأن العام. كما أنَّ الحكومة تستخدم، وتُقيِّم ما يقدِّمه المواطنون كمورد تستفيد منه. وإتاحة المعلومات، والتشاور، والمشاركة الفعَّالة، تقدِّم للحكومة أُسسًا أفضل لصنع السياسات؛ ممَّا يجعل الحكومة على دراية بالمشاكل الحقيقيَّة والحلول الَّتي يريدها الجمهور. وفي الوقت نفسه، فإنَّ ذلك يَضْمن فاعليَّة التنفيذ؛ نظرًا لتمتُّع المواطنين بامتلاك معلومات أفضل عن السياسات، فضلًا عن قيامهم بِدَوْر في صنعها.

ولا بُدَّ من التأكيد على أنَّ التنمية البشريَّة أو الإنسانيَّة المستدامة هي تنمية ديمقراطيَّة تهدف إلى بناء نظام اجتماعي عادل أو إلى رفع القدرات البشريَّة عَبْرَ زيادة المشاركة الفاعلة والفعَّالة للموطنين، وعَبْرَ تمكين الفئات المهمَّة وتوسّع خيارات الموطنين وإمكاناتهم والفرص المتاحة، والفرص تتضمن الحُريَّة بمعناها الواسع واكتساب المعرفة وتمكين الإطار المؤسَّساتي، كما وتؤدي المشاركة إلى مزيدٍ من الاستقرار والنظام في المُجتمع ممَّا يؤدي بِدَوْره إلى توسيع وتعميق الإحساس بشرعيَّة النظام السياسي الحاكم.

يضاف إلى ما سبق فإنَّ المشاركة السياسيَّة تصنع أفرادًا أكثر إدراكًا لحجم المشاكل المتعلقة بمُجتمعهم، وللإمكانات المتاحة لها فتفتح بابًا للتعاون البنَّاء بَيْنَ الجماهير والمؤسَّسات الحكوميَّة، كما أنَّ المشاركة السياسيَّة تزيد من الوعي العام للجماهير؛ لاضطرار القائمين عليها إلى شرح أبعاد الخدمات والمشروعات باستمرار بغرض حثِّ الجماهير على الاشتراك والمساهمة فيها. كما أنَّ المشاركة تعود المواطنين الحرص على المال العام، بالإضافة إلى أنَّ مشاركة المواطنين في المساهمة في تحمُّل مسؤوليَّة صنع القرار يسهِّل كثيرًا في عمليَّة تنفيذ الخطط والبرامج.

وفي هذا الإطار تُعَدُّ المشاركة السياسيَّة مؤشرًا تفاعليًّا لصحَّة العلاقة بَيْنَ المُجتمع والدولة. فبقدر ما تكُونُ الدولة تعبيرًا أمينًا عن مُجتمعها، تزداد المشاركة السياسيَّة السلميَّة المنظِّمة لأفراد المُجتمع في الشؤون العامَّة، سواء بصفتهم الفرديَّة أم الجماعيَّة، أو من خلال مؤسَّساتهم الطوعيَّة.

ختامًا: تُعَدُّ المشاركة السياسيَّة من سِمات المُجتمعات والأنظمة السياسيَّة الحديثة والمتطورة. وتتمثل أهميَّتها وضرورتها باحتواء التشنجات الَّتي تتولد من عمليَّة التعبئة والتحوُّلات الاجتماعيَّة المُرافقة لإجراءات التحديث السياسي والتنمية السياسيَّة والاقتصاديَّة. وهو ما يجعل منها عمليَّة شاملة؛ بمعنى أنَّها عمليَّة متعدِّدة الأبعاد. فلا تنحصر أبعادها في حجم الضغط السياسي عن رغبة القوى الاجتماعيَّة المتعدِّدة الساعية إليها، وإنَّما في مدى استجابة النُّخب السياسيَّة الحاكمة لمشاركة هذه القوى ونطاق مشاركتها، ثم في القدرات المؤسَّسيَّة للنُّظم اللازمة لاستيعاب هذه القوى وحفظ الاستقرار السياسي وإدامته أيضًا.

ملاحظة: تمَّ إعداد هذا المقال بتصرف عن مؤلَّف لي تحت عنوان: القيادة السياسيَّة والحكم الراشد، ط1/2016، عليه يُمكِن أن تكُونَ بعض فقرات من هذا المقال مقتبسة من مصادر أخرى، يُمكِن الرجوع إليها إلى الكِتاب.

محمد بن سعيد الفطيسي

باحث في الشؤون السياسية والعلاقات الدولية

رئيس تحرير مجلة السياسي – المعهد العربي للبحوث والدراسات الاستراتيجية

[email protected]

MSHD999 @