الأربعاء 01 أبريل 2026 م - 13 شوال 1447 هـ
أخبار عاجلة

نبض المجتمع : لا تضع العربة أمام الحصان

نبض المجتمع : لا تضع العربة أمام الحصان
الأحد - 09 نوفمبر 2025 10:55 ص

د. خصيب بن عبدالله القريني

30


يُنظر دائمًا لموضوع التشريعات والقوانين الَّتي تنظِّم عمل دولة ما والعلاقة بَيْنَ أنظمتها التشريعيَّة والتنفيذيَّة والقضائيَّة بأنَّها نموذج تقدُّمي في مسيرة هذه الدولة. فعلامة نضجها وجود هذه التشريعات والقوانين الَّتي تكفل العلاقة بَيْنَ جميع الأطراف في هذه الدولة، ويكفي للدلالة عل ذلك أنَّه عندما تُذكر حضارة ما لا بُدَّ أن يتمَّ الاستدلال على تقدُّمها بوجود قوانين بها، بمعنى أنَّها وصلت لمرحلة من التقدُّم لدرجة أنَّها أصدرت قوانين تنظِّم العلاقة بَيْنَ أطرافها.

والحمد لله، هنالك من القوانين والتشريعات في بلدنا تجعلنا نفاخر بهذا الأمر، ونستنتج أنَّنا في الطريق الصحيح للتقدُّم، فوجود هذه القوانين مدعاة لأن يشعر الفرد بأنَّه أمام مؤسَّسة منظَّمة تَضْمن له حقَّه، وتهيئ له السُّبل للوصول إليه وفْقَ منهجيَّة واضحة ومحدَّدة. لكنَّ الملاحظ أنَّ بعض هذه التشريعات تحتاج إلى إيجاد بدائل تشريعيَّة لمعالجة الإشكاليَّات الَّتي تسبق تطبيق هذه القوانين؛ نتيجة عوامل عدَّة، أهمها عدم وجود قوانين سابقة واضحة المعالم في هذا المجال بحيثُ يتمُّ الاتكاء عليها. ومن ضِمن هذه التشريعات موضوع الإنترنت، والَّذي لا يسمح بوجود شبكة مشتركة لمجموعة من الشقق مثلًا في بناية واحدة وفرض غرامة ماليَّة مبالغ فيها تصل لحوالي (50) ألف ريال عُماني، في مقابل عدم وجود بدائل لمعالجة هذا التشريع قَبل تنفيذه، بل الأمر أصبح بأن يتمَّ تقديم هذه الحلول بعد تطبيق المخالفة، والأجدى أن يكُونَ الأمر سابقًا لفرض التشريع؛ بمعنى أن يتمَّ إيجاد حل يرضي الطرفين في هذا الأمر، ثم تطبيق القانون، بحيثُ يكُونُ المبرِّر واضحًا ومنطقيًّا؛ بمعنى أنَّنا أوجدنا الطريقة الصحيحة للاشتراك، ومَن يخالف يتحمل تبعات هذا الأمر. وهذا يتطلب نظرة تكامليَّة لكُلِّ المعنيين بالعلاقة، فالأمر ليس محصورًا فيما يتعلق بأصحاب البيوت السكنيَّة فقط، بل يتعدى الأمر لمجالات قد لا ينتبه لها منفِّذو التشريع مثل أصحاب البنايات والفنادق وغيرها من المجالات، والأمر ذاته ينسحب على التشريع الخاص بعاملات المنازل. فكثير من الأشخاص لن يستطيع أن يفيَ بالتزامات عاملة المنزل وفْقَ الشروط المحدَّدة، وعوضًا عن ظهور مشاكل في هذا الجانب يَجِبُ أن تكُونَ هنالك مكاتب خاصَّة بتأجير العمالة المنزليَّة جاهزة وفْقَ قوانين وتشريعات تَضْمن مصلحة أطراف العلاقة وصاحب المكتب والعاملة والمستفيد من الخدمة، بحيثُ تقدَّم هذه الخدمات لهم. لكن أن يتمَّ طرح التشريع دون وجود بدائل جاهزة، وتعمل قَبل صدوره هو الأساس الَّذي يَجِبُ الوقوف عنده ومناقشته ووضع تصوُّر واضح له، فلا يُمكِن تطبيق تشريع أو قانون دون إيجاد بدائل أخرى يتمُّ العمل وفْقَها، بل ويتمُّ تجريبها بفترة كافية ومعالجة السلبيَّات الَّتي تعترضها بغية إيجاد توازن بَيْنَ التشريعيْنِ في ذات الوقت وبحيثُ لا يُحدث ضررًا لأطراف العلاقة.

إنَّ هذين المثالين يعطيان لنا نموذجًا لأهميَّة إيجاد منظومة واضحة المعالم قَبل تطبيق أيِّ تشريع، كما أنَّ الاستماع لآراء المعنيين ومستفيدي الخدمة هو مطلب ملحٌّ وضروري؛ لأنَّهم هم الأدرى بهذا الجانب أكثر من غيرها، ويُمكِن أن يتمَّ ذلك وفْقَ لقاءات ومناقشات محدَّدة يتمُّ من خلالها الاستماع لهم، سواء عَبْرَ الوسائل المباشرة أو تطبيقات التواصل الاجتماعي. فلا يُمكِن أن يُهضمَ حقُّهم في ذلك؛ ذلك أنَّ هذا الأُسلوب يسهِّل كثيرًا في تقبُّل الناس لهذه القوانين؛ كونها جاءت منهم بالأساس مع وجود تأطير لها من ذوي الاختصاص بحيثُ تتوافق مع معايير صياغة وتنفيذ التشريعات، ولا يُمكِن أن يتمَّ ذلك إلَّا بوجود بدائل لها قَبل الإصرار على تطبيقها، فكيف تعمل على تطبيق أمر ولا تعطيني بديلًا لكيفيَّة معالجته قانونيًّا! وخير مثال على ذلك، المثالان اللَّذان طرحتهما، وهنا يَجِبُ أن تضع الحصان قَبل العربة لا العكس.

د. خصيب بن عبدالله القريني

[email protected]