يُسلِّط الكاتب والصحافي اللبناني المعروف «فؤاد الحاج» الضوء على مساحاتٍ واسعةٍ ومتناثرةٍ في كِتابه الَّذي اختار له عنوانًا لافتًا «الصحافة وأدباء المهجر»، والعنوان الثانوي «أسهموا في إثراء وجداننا وتوسيع مداركنا».
وإذا كان العنوانُ الرئيسُ يُعالج مسألةً تمتدُّ تاريخيًّا لعقودٍ طويلةٍ ومساحاتٍ شاسعةٍ ومتباعدةٍ، فإنَّ ما يُشير إليه الحاج من «إثراء الوجدان وتوسيع المدارك»، يرسم صورةً عميقةً لفعل الكلمة بمختلف فنونها ولجميع القائمين عليها.
يعترف فؤاد الحاج بماكينة القلق الَّتي سيطرت عليه، كما هو حال كثيرٍ من الأدباء والكُتَّاب العرب؛ فمنهم مَن يقلقه وجودُه بَيْنَ جدران بلده، ومنهم مَن تهزمه الغربةُ خارج تلك الجدران.
ولا يُخفي الحاج هذا القلق، خصوصًا حين يُعَبِّر عن رغبةٍ حقيقيَّة في العودة إلى الكتابة الأدبيَّة والابتعاد عن السياسة ومآزقها المركَّبة وعوالمها المتدحرجة في اتجاهاتٍ متعدِّدة.
لم تكُنِ الأُمَّةُ يومًا مزدهرةً ليزدهر الفكر والإبداع في زوايا الحياة فيها؛ وبدلًا من السكون المرِّ، فإنَّ «الحركة السلبيَّة الدائمة» تُلقي بظلالها القاتمة على النفْس البشريَّة، وتُؤرِّق مَن يرى بعينٍ ثاقبةٍ ورغباتٍ جامحةٍ بلوغَ صورةٍ أجمل لهذه الأُمَّة.
يزداد قلق الحاج ـ كما يذكر في كِتابه ـ بعد عام 2003، فقد تسبَّب اجتياحُ العراق واحتلالُه من قِبَل الولايات المُتَّحدة وبريطانيا في «تهشيمٍ ممنهجٍ وعميقٍ للروح العربيَّة».
وإذا كانت الدباباتُ قد اجتاحت الأرض، والصواريخُ دمَّرت المباني، وأيدي اللصوص نهبت الآثار، والأيدي المأجورة أحرقت المكتبات وأتلفت مجلدات التاريخ، فإنَّ هول الصدمة والزلزال ضربا عميقًا في القلوب والنفوس، وهذا ما يُشير إليه الحاج وسط غصَّةٍ لا تزال تلازمه.
وإدراكًا من الأستاذ فؤاد الحاج للأهميَّة الكبرى لكتابات وإبداع النُّخب المثقَّفة المبثوثة على امتداد العالم، فإنَّه يرصد ذلك «بغرض المحافظة على نبضها واستمرار دفق عطائها».
يورد الحاج معلوماتٍ توثيقيَّة بالغة الأهميَّة في حديثه عن «دَوْر اللبنانيين في بناء نهضة أستراليا»، بدءًا من هجرتهم الأولى في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، ثمَّ ازدياد تلك المجاميع في بدايات ومنتصف القرن العشرين، ولم يقتصر ذلك على اللبنانيين وحدهم، بل امتدَّ إلى «فلسطين وسوريا وغيرها من البلدان العربيَّة».
يُسلِّط الحاج الضوء على الجغرافيا الأستراليَّة في تغطيته لموضوعه، لكنَّه يتنقَّل بمعلوماتٍ دقيقةٍ وعباراتٍ رشيقةٍ ليناقشَ عناوين معرفيَّة وصحافيَّة وثقافيَّة متنوِّعة.
وخلال ما يقرب من قرنين، عاشت المنطقةُ العربيَّة تقلُّباتٍ كثيرةً، نتج عنها هجراتٌ عديدة، كان من بَيْنِ أصحابها كُتَّابٌ وإعلاميون.
وأعتقد أنَّ الزخم الأكبر لهذه الهجرات رُبَّما حصل خلال العقود الأربعة الأخيرة، وقد يزداد زخمُها في العقود اللاحقة.
هذا الواقع يطرح سؤالًا عن الجهود الَّتي تسير بالنسق ذاته الَّذي كتب فيه فؤاد الحاج كِتابه:
ترى، هل سنشهد مؤلَّفاتٍ ترصد وتحلِّل وتتابع ما يُكتب في الغربة؟
وليد الزبيدي
كاتب عراقي