إنَّها لَمفارقةٌ تستحقُّ الملاحظة والتَّأمُّل بتمهُّل: فبَيْنَما لا يجد الغزيُّون (أطفالًا ونساءً وشيوخًا) ما يسدُّ رمقَهم جوعًا من كسرات الخبز اليابس، ونقيع الحبوب المسلوقة بماء البحر، يتعمَّد الرئيس الأميركي جو بايدن «الظهور على شاشات التلفزة العالَميَّة وهو يُمسك بقمع آيس كريم لِيتكلَّمَ، وهو يلتهمه، عن معاناة أهل غزَّة الَّذين تتعمَّد الحكومة «الإسرائيليَّة» استثمار جوعهم لِتقصفَهم، وهُمْ يتضوَّرون جوعًا مُجتمعين من أجْلِ لُقمة تُبقيهم على قَيْد الحياة: فيا لَها من مفارقة واحدة من مفارقات «متناقضات الحياة»، ذلك الفيلم الستِّيني الَّذي أنتجته هوليوود لهزِّ مشاعر العالَم بسبب تجويع الفيتناميِّين مقارنةً بما يتناوله سواهم من (أغنياء العالَم الحُر) عن أيِّ عالَم حُرٍّ يتحدَّثون ولَمْ يزَلِ الغزيُّون يلفظون أنفاسهم الأخيرة مصطفِّين في طوابير من أجْلِ نقيع الحبوب الجافَّة الَّتي لا يُمكِن إلَّا أن تبقيَهم يتنفَّسون، ليس من أجْلِ حياة مرفَّهة وكريمة، ولكن من أجْلِ حياة في انتظار الموت بالكوليرا أو سواها من الأمراض المُعْدية الفتَّاكة الَّتي يجهِّزها لَهُم الماء الملوَّث بمياه الصَّرف الصحِّي الثَّقيلة. كَمْ تمنَّيت أن أرى طفلة غزيَّة، وهي تُمسك بقمع الآيس كريم المصنوع من البسكويت المُحلَّى لِتحسَّ بقوَّة الحياة الآدميَّة في دواخلها، بعيدًا عن قنابل القتَلَة الَّذين يرومون إبادة الفلسطينيِّين عن بكرة أبيهم لِتبقَى الأرض بلا شَعب وبلا مَن يُطالِب بِها!
تذكرتُ قول الشَّاعر محمد صالح بحر العلوم في قصيدة «أين حقِّي»، إذ يقول:
«كَمْ فتى في الكوخ أجدى من أمير في القصور.. قوته اليومي لا يزداد عن قرص صغير. ثُلثاه من تراب والبقايا من خبز الشعير!... وفتاة لَمْ تجِدْ غير غبار الرِّيح سترا.. وتودُّ الموت كَيْ تملكَ بعد الموت قبرا.. وإذا الحفَّار فوق القبر يصرخ أين حقِّي!»
أ.د. محمد الدعمي
كاتب وباحث أكاديمي عراقي