الجمعة 22 مايو 2026 م - 5 ذو الحجة 1447 هـ
أخبار عاجلة

الناصية فـي القرآن.. دقة لفظية «1»

الأربعاء - 22 أكتوبر 2025 01:25 م
10


أيها الأحباب.. أحييكم وأتمنى لي ولكم أوقاتًا عامرة بذكر الله تعالى والتأمل في كتابه، والتدبر لمعانيه والعمل بما فيه، فكتاب الله تعالى هو كون الله تعالى المتكامل المكتوب بين دفتي المصحف الشريف، وكما روي (عن الحارث الأعور قال: مررت في المسجد، فإذا الناس يخوضون في الأحاديث، فدخلت على علي بن أبي طالب، فقلت: يا أمير المؤمنين ألا ترى أن الناس قد خاضوا في الأحاديث؟ قال: أوقد فعلوها! قلت: نعم. قال: أما إني قد سمعت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول: «ألا إنها ستكون فتنة. فقلت ما المخرج منها يا رسول الله؟ قال: كتاب الله فيه نبأ ما كان قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم، وهو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله، وهو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، هو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة، ولا يشبع منه العلماء، ولا يخلق على كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه، هو الذي لم تنته الجن إذ سمعته حتى قالوا: إنا سمعنا قرآنًا عجبًا يهدي إلى الرشد فآمنا به، من قال به صدق، ومن عمل به أجر، ومن حكم به عدل، ومن دعا إليه هدى إلى صراط مستقيم) (أخرجه الترمذي 2906)، والدارمي (3374)، وابن أبي شيبة (30629) باختلاف يسير). ومن هنا فما من شيء إلا وذكره الله تعالى في القرآن الكريم، منه ما هو مجمل وما هو مفصل، وما هو كل وما هو بعض أو جزء من كل، وهكذا.. ومن ذلك الأجساد وخاصة جسد الإنسان، فذكر الجسد أحيانًا مجملًا، وذكر أجزاء الإنسان متفرقة في أماكن أخرى، ومن أجزاء الإنسان التي حرص القرآن الكريم على ذكرها ولفت النظر إليها، بل ووصفها بأوصاف دقيقة (الناصية)، ولم يكتفي بذكر الناصية كعضو من أعضاء الجسد الإنساني، بل ذكرها للكل دابة على الأرض، (إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُم مَّا مِن دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) (هود ـ ٥٦)، وقد ذكر الله تعالى الناصية في هذه الآية في قوله تعالى :(بِنَاصِيَتِهَا ..)، وهنا سؤال يطرح علينا نفسه، ويقول: لماذا خص بالأخذ (الناصية) دون سائر أعضاء الجسد؟ وما هي الناصية؟ وعن تعريف الناصية قال الأزهري:(الناصية عند العرب منبت الشعر في مقدم الرأس ويسمى الشعر النابت هناك ناصية باسم منبته) (مفاتيح الغيب للرازي 18/ 365)، ويقول القرطبي:(الناصية قصاص الشعر في مقدم الرأس. ونصوت الرجل أنصوه نصوًا أي: مددت ناصيته)، ومن عجيب ما ذكر وهو يلفت النظر قوله:(وإنما سميت ناصية لأن الأعمال قد نصت وبرزت من غيب الغيب فصارت منصوصة في المقادير، قد نفذ بصر الخالق في جميع حركات الخلق بقدرة، ثم وضعت حركات كل من دب على الأرض حيا في جبهته بين عينيه، فسمي ذلك الموضع منه ناصية، لأنها تنص حركات العباد بما قدر، فالناصية مأخوذة بمنصوص الحركات التي نظر الله تعالى إليها قبل أن يخلقها) (تفسير القرطبي (9/ 52)، ومن الجميل عنها ما ذكره صاحب (التحرير والتنوير 12/ 100):(وَالنَّاصِيَةُ: مَا انْسَدَلَ عَلَى الْجَبْهَةِ مِنْ شَعْرِ الرَّأْسِ. وَالْأَخْذُ بِالنَّاصِيَةِ هُنَا تَمْثِيلٌ لِلتَّمَكُّنِ، تَشْبِيهًا بِهَيْئَةِ إِمْسَاكِ الْإِنْسَانِ مِنْ نَاصِيَتِهِ حَيْثُ يَكُونُ رَأْسُهُ بِيَدِ آخِذِهِ فَلَا يَسْتَطِيعُ انْفِلَاتًا. وَإِنَّمَا كَانَ تَمْثِيلًا لِأَنَّ دَوَابَّ كَثِيرَةً لَا نَوَاصِيَ لَهَا فَلَا يَلْتَئِمُ الْأَخْذُ بِالنَّاصِيَةِ مَعَ عُمُومِ مَا مِنْ دَابَّةٍ، وَلَكِنَّهُ لَمَّا صَارَ مَثَلًا صَارَ بِمَنْزِلَةِ: مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ مُتَصَرِّفٌ فِيهَا. وَمِنْ بَدِيعِ هَذَا الْمَثَلِ أَنَّهُ أَشَدُّ اخْتِصَاصًا بِالنَّوْعِ الْمَقْصُودِ مِنْ بَيْنِ عُمُومِ الدَّوَابِّ، وَهُوَ نَوْعُ الْإِنْسَانِ. وَالْمَقْصُودُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ الْمَالِكُ الْقَاهِرُ لِجَمِيعِ مَا يَدِبُّ عَلَى الْأَرْضِ، فَكَوْنُهُ مَالِكًا لِلْكُلِّ يَقْتَضِي أَنْ لَا يَفُوتَهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ، وَكَوْنُهُ قَاهِرًا لَهُمْ يَقْتَضِي أَنْ لَا يُعْجِزَهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ).. وللحديث بقية.

محمود عدلي الشريف 

 [email protected]