في رواية ( العجوز الذي كان يقرأ الروايات الغرامية) للكاتب التشيلي لويس سيبو فيلدا، يروي الكاتب كيف أن أنطونيو خوسيه بوليفار يُفكّر في خيار الهجرة مع زوجته من موطنهما الأصلي في جبال (الكورديليرا)، حيثُ تأكلهم ألسن السكان هناك نظراً لتأخر الإنجاب ناعتين زوجته بالعاقر، وأيضاً تطاله هو سهام الشكوك في رجولته، رأى أن ذلك أفضل بدلاً من اقتراح أهل القرية في مشاركة زوجته في احتفالات سان لويس شبه الإباحية، هو لا يستسيغ أن يكون أباً لابنٍ حملته زوجته من شخص آخر، لذا يهاجرُ إلى أمازونيا رفقة شريكة حياته مُديراً ظهره عن قريته سان لويس، ساعده (الشواريين) وهم شعب بدائي في بعض الأمور الحياتية مثل القنص وصيد الأسماك وبناء المأوى، خيار الهجرة يُكّلفه فراق زوجته نتيجة الحمى، يُصبح أنطونيو وحيداً ولا يتمكن من العودة الى قريته، لذا واصل العيش مع الشواريين وتعلّمَ لغتهم، بدأ يجري مقارنة بين أنماط معيشتهم ونمط عيش الشعب الذي ينتمي إليه، يستغربُ من عفافهم وكفافهم في المأكل والملبس، أدويتهم من أعشاب ونباتات الغابة، فيما هم لا يستوعبون وجود الشعوب التي يعمل أفرادها من طلوع الشمس إلى غروبها، يتأمل ويعيش في الطبيع ، يُقتلُ صديق أنطونيو في اشتباك مع البيض المنقبين عن الذهب، يغادرُ أنطونيو موطن الشواريين بعد غضبهم منه لاستعماله السلاح ثأراً لصديقه، ينتقل الى ( أل إيديلوا )، هناك يتعرف على الدكتور لواشين طبيب الأسنان الذي قام بتزويد أنطونيو بالروايات الغرامية، أصبحت القراءة هي ترياقٍ شافٍ من سم الشيخوخة، تتقاسم الحياة هوايتا الصيد والقراءة، سُمح له بالإقامة في المدرسة، قرأ عناوينَ كثيرة مما تضمه مكتبة المدرسة، نغّص حياة أهل القرية وأخافهم هو سقوط عدد من القتلى البيض لا يعرف قاتلهم، ليُكتشف أنهم ضحية فريسة الحيوانات الضارية والتي يُحتمل أنها القطط البرية، تم تحديد أنثى قط برية مكلومة من فقد ذَكَرَها على أنها هي من افترست القتلى، المحافظ طلب من أنطونيو أن يعاونه من أجل تتبع أثر هذه البهيمة مع مجموعة من الصيادين لقتلها، المهمة شاقة ومتعبة ، لذا يرجع المحافظ والصيادون ليبقى أنطونيو وحيداً مع بندقيته كي يقتل أنثى القط البري وهي التي ربما ستنقضُّ عليه، نجح أنطونيو في إطلاق النار وقَتَلَها مُخلّصاً أهالي القرية من الخوف والذعر، بدلاً من أن يحس بنشوة الانتصار، رمى البندقية في النهرمُجهشاً في البكاء وهو يرى أنثى القط قتيلة ًيجرفها تيار النهر، يرجع أنطونيو إلى قريته ويدخل كوخه ليواصل قراءة الروايات الغرامية .
لا نريد أن ندع العجوز أنطونيو يقرأ الروايات الغرامة فقط ، بل نريد لكل من يسكن على سطح هذا الكوكب أن يقرأ لتكون أجمل والعيش أنقى وأحَبّ، هذه الرواية تطرحُ صراع الإنسان مع الطبيعة وانقراض الكثير من الكائنات الحية من حيواناتٍ وطيور على يد الإنسان الذي يُفترض أنه إذا تطوّر حضارياً ومعيشياً يحافظ على الأرض ولكن ما حدث ويحدث هو العكس من ذلك تماماً .
(هذه الأرض لم نرثها من أسلافنا بل استعرناها من أحفادنا)، تُنسب هذه العبارة إلى ويندل بيري في كتابه ( البرّية غير المُتوقّعة ) الصادر عام ألف تسعمائة وواحد وسبعين، هذه الجملة بالنسبة لي أرى أنها أصدق وأعمق ما قيل عن الأرض، وأرى أنه من الضروري أن تكون مكتوبة في كل كتابٍ دراسي، والتي ستسهم في خلق أجيالٍ على وعي ممتاز بأهمية ما تبقى من بيئة هذه الأرض، يُقال دوماً أن الطبيعة تقتل الإنسان كالفيضانات والزلازل وغيرها، هي ظواهر طبيعية لا بُدّ من حدوثها، لكن المشكلة الأهم هو التعدي وتدمير الطبيعة من قبل الإنسان، لا نُريد أن نكون مثل أنطونيو قاتلين لأنثى القط البري، علينا أن نقرأ الروايات الغرامية.
ناصر المنجي