نحن نشاهد في محيطنا ظاهرة غريبة فعلًا، وهي لجوء الكثير من الناس من مختلف الأعمار إلى الذكاء الاصطناعي كصديق يعتمدون عَلَيْه كما لو كان شخصًا من لحم ودم، فلم يَعُد الأمر يقتصر على النخبة أو المهتمين بالتكنولوجيا، فقد وصل إلى المناطق الشَّعبيَّة، والريف في المحافظات، وصار بَيْنَ أيدي فئات قد لا تعرف القراءة والكتابة، لدرجة أنَّ البعض يستشيره في كتابة رسالة، أو يطلب مِنْه فكرة مشروع، أو حتَّى يفضفض له، ولقد سمعت العجب. فبعض ربات البيوت أصبحن يسألنه عما سيطبخن وكيف يطبخن؟ وأحيانًا عن أشياء فقدْنها في المنزل، وهذا وحده كافٍ لأن يجعلني أتوقف طويلًا أمام خطورة هذا الضيف الجديد، الغامض الَّذي نفتح له أبواب عقولنا وبيوتنا دون أن نعرفه حقًّا، ولا نعرف إن كان يملك وعيًا أو تجربة أو إدراكًا يُمكِن أن تتحول إلى خطرٍ علينا نحن أنفسنا، فهل الذكاء الاصطناعي يحاكي الإنسان؟ أم يعيد تشكيله على صورته الخاصة؟ هل هذه السرعة المرعبة في تطوره تأخذنا نَحْوَ واقعٍ بديل سنعيش فيه بلا إرادة؟ أم أنَّها تجرنا ببطء لنصبح أسرى منظومة لا نملك مفاتيحها ولا أدواتها؟
كيف سنربِّي أبناءنا في عالمٍ يصبح فيه المعلِّم مجهول الهُويَّة والمصدر بلا جذور؟ كيف سنغرس فيهم الانتماء حين يصبح المرجع بلا ملامح ولا ضمير؟ أنا أراقب الجيل الجديد وأشعر أنَّهم يعيشون داخل شاشات لا تعرف حدود الزمان ولا المكان، يتلقون كُلَّ شيء من مصدرٍ واحدٍ لا يرى، فيكبرون بلا ذاكرة حقيقيَّة ولا خيال، وكأنَّ العالم كُلَّه اختصر في إجابة تظهر على شاشة صغيرة! الأخطر أنَّ هذا التحول قد يصل إلى العقيدة نفْسها، حين يبدأ الناس في سؤال الآلة عن الإيمان والشك والقدر، ويتلقون مِنْها إجابات جاهزة، لا تعرف الله ولا تؤمن به، نكُونُ أمام خطرٍ لا يقاس بمفاهيم التقنيَّة؛ لأنَّ الخطر هنا يَمسُّ جوهر الإنسان ذاته الروحي قبل المادي، ذلك الخيط الرفيع بَيْنَ العقل والإيمان، بَيْنَ السؤال واليقين، صار مهددًا بأن يتحول إلى معادلة حسابيَّة، وكُلَّما فكرت في ذلك، ازداد اقتناعًا بأنَّنا في عالمٍ يعيد كتابة الإنسان على نَحْوٍ لا يرحم. وكمواطن من العالم الثالث أعرف أنَّني في كُلِّ الأحوال مفعولٌ به، وأدرك أنَّ ما يحدث شكل جديد من الاستعمار، الَّذي يتسلل إلى العقول لا إلى الأرض، يزرع نفسه في الوعي ويعيد تشكيله كما يشاء، ولا أعرف حتَّى الآن، هل هو أداة في يد المستعمرين القدامى يستخدمونها بذكاء لإعادة السيطرة على العالم؟ أم أنَّه مستعمر جديد خرج من مختبراتهم وقرر أن يسيطر على الجميع، بمن فيهم هم أنفسهم؟ كُلُّ ما أعرفه أنَّ ما يجري أخطر ممَّا نتصور، وأنَّنا إن لم نفهمه سريعًا، فلن نكُونَ جزءًا من المستقبل، لكن جزءًا من التجربة.
الحمد لله هناك أصوات تسعى للموازنة بَيْنَ هذا الزحف الخفي للذكاء الاصطناعي، وبَيْنَ العودة إلى الصناعة والزراعة كفعلين يذكران الإنسان بقدرته على الإنتاج الحقيقي، وكأنَّ الجميع بدأ يدرك أنَّ الخلاص يعود إلى ما يُمكِن لمسُه وصنعه وزراعته، لا إلى ما تبتلعه الشاشات، فالدول تتجه لإحياء الصناعة الثقيلة وإعادة إحياء الزراعة الذكيَّة بعد أن أهملتها موجات العولمة، وكأنَّها تحاول أن تُعيد الإمساك بخيوط الواقع قبل أن تذوب في العالم الافتراضي، فالمستعمر الجديد لا يحتل الأرض، لكنَّه يحتل وعي العامل والمزارع والمستهلك والمواطن، ولذلك صارت الصناعة والزراعة في هذا الزمن نوعًا من المقاومة، محاولة لاستعادة الذَّات من قبضة الخوارزميَّات، كُلُّ مصنع يبنى وكُلُّ أرض تزرع هما إعلان عن بقاء الإنسان صانعًا لا مصنوعًا، وزارعًا لا مزروعًا، وعودة إلى أفكار الأمن الذَّاتي قبل أن يكُونَ غذائيًّا أو صناعيًّا، كأمنٍ وجودي يُعيد للإنسان علاقته الأولى بالتراب وبالفعل وبالمسؤوليَّة، والحضارة تُبنى بالإرادة الَّتي تعرف كيف تصنع المعنى قبل أن تصنع المنتج.
فعقل الإنسان الَّذي كان وسيلته للبقاء حين اندثرت الكائنات الأضخم والأقوى، بات اليوم في خطر حقيقي، لم تعد المعركة بَيْنَ الإنسان والطبيعة، ولا بَيْنَه وبَيْنَ الآلة الَّتي صنعها بِيَدِه، إنَّما بَيْنَه وبَيْنَ وعيه نفسه، هذا العقل الَّذي قاوم الجوع والبرد والظلام، وشق طريقه عَبْرَ العصور بالحيلة والإبداع والخيال، صار اليوم مهددًا بأن يتحول إلى تابع لآلةٍ لا تتعب ولا تخاف ولا تتردد، نعيش مرحلة غريبة يتراجع فيها التفكير لحساب الحفظ، والإبداع لحساب التكرار، حتَّى صار الإنسان يقيس قِيمته بقدرة خوارزميَّة على محاكاته، وأصبح الذكاء الاصطناعي لا يكتفي بمنافستنا في المعرفة، لقد تجاوز ذلك لينافسنا في المعنى، والروح، يكتب القصيدة، ويضع القرار، وينتج الصورة، ويتركنا نتساءل عن موقعنا في هذا الكون الجديد. إنَّ أخطر ما يواجه الوجود الإنسان هو انكماش الإنسان أمام التقنيَّة، حين يبدأ في الاستغناء عن وعيه لصالح راحةٍ مؤقتة، ويمنح الآلة حق التفكير نيابة عنه، وكُلَّما تسارعت الخوارزميَّات في بناء عالمها، ازداد خوفي من أن نكُونَ نحن الديناصورات الجديدة الَّتي لم تستطع التكيف مع بيئة لا تحتاج إلى خيال ولا إلى شك ولا إلى روح، بيئة منزوعة الأمان والقِيَم، فالخطر هذه المرة لا يأتي من حرب أو وباء أو مجاعة، إنَّما من داخلنا نحن، من عقولٍ تخلت عن أصالتها طوعًا، واختارت التبعيَّة لما صنعته أيديها، لِيكُونَ عقلنا الَّذي طورنا هو بوَّابة الفناء.
إبراهيم بدوي