السَّعادة مطلب ينشده كُلُّ حي، صغيرًا كان أو كبيرًا، فقيرًا كان أو غنيًّا.. ورؤية السَّعادة ليسَتْ مُحدَّدة. فكُلُّ أحَد يرى السَّعادة بطريقة يختلف فيها عن غيره. فالسَّعادة في معناها المختصر هي الشعور بالبهجة والاستمتاع بالحياة. وهي حالة يرى فيها الإنسان كُلَّ شيء من حَوْله جميلًا يستحق العيش.
مقالتي هذه تتكلم عن السَّعادة وعن الحياة.. فالسَّعادة هِبة من الله تعالى.. علينا أن نحميها ونُعزِّزها لِننعمَ بمزيدٍ من الرضا والسرور حتَّى في أحلك الظروف. ولو جئنا للحياة نراها بأكملها عبارة عن حلم كاذب... فالحُب والمال والصحَّة والسَّعادة والمَجد لا يُخلَّد.. بَيْنَما التضحية هي مَن تصنع السَّعادة بَيْنَ البَشَر.
أخي القارئ العزيز.. لا تلتفت لِمَن يحاول إحباطك.. اِبْحَث عن سعادتك.. فالوقت يمضي والعمر واحد والناس لن تصمتَ والحياة راحلة، فَعِشها كما تريد، فأنتَ مَن تملك نفسك.. اجعل قاعدتك في الحياة الشيء الَّذي لا يسعدني لا يلزمني، عِشْ حياتك كما تريد.. أسعِد نفسك بنفسك، لا تجعل سعادتك مقياسًا لإرضاء الآخرين.
عزيزي.. أنتَ إنسان عظيم فَعِشْ حياةً عظيمة ورائعة.. عِشْ لِنَفْسِك، فالنَّفْس هي أَولى بالحُب والاهتمام، ثم يأتي بعدها كُلُّ شيء.. لا تحزن على ظروف تمرُّ بها في ما يحزنك هو خير لك، اجعل هدفك الأول هو ذاتك، لا تنتظر أن تجدَ سعادتك مع الآخرين، فسترحل برحيلهم، عِشْ يومك وكأنَّه اليوم الوحيد لك، فكيف ستقضيه..؟ اجعل من الظروف القاسية عليك مصدرًا يعلِّمك الإصرار والقوَّة، لا تجعل شيئًا يهزم القدرات الهائلة داخلك؛ لأنَّك تُدرك جيِّدًا أنَّ المستحيل يصبح ممكنًا إذا وُجِدَت الإرادة لدَيْنا.
حِب نَفْسَك أولًا لِتحبَّ الحياة، لا ترضى لِنَفْسِك إلَّا أن تعيشَ سعيدةً قويَّة لا يهزها حزن ولا يكسرها ألم.. اعمل لآخرتك، عِش الدنيا على أنَّها رحلة قصيرة، اجمع مِنْها أمتعة الحسنات والأعمال الصالحة.. أنتَ وحدك تستطيع أن تغيرَ بِنَفْسِك، وأن تتقدمَ للأفضل؛ لأنَّك تستحق الأفضل دومًا.
لا تَلُم صديقك على تقصيره معك.. فأنتَ لسْتَ الوحيد في هذا الكون الفسيح، ولسْتَ الوحيد في قلبه. فقد يكُونُ عنده من الأصدقاء والأحباب مَن هُم أكثر محبَّة له منك، وهو أشدُّ حُبًّا لهم من مَحبَّته لك مع كامل الاحترام والتقدير... ومع هذا لا يلتقي بهم إلَّا نادرًا. فالناس عندهم ما يشغلهم من أعمال ومهمَّات وأهل وأصدقاء، فلا تتعلق بإنسان تعلُّقًا شديدًا يجعلك لا تستطيع العيش بِدُونِه.
لا تكُنْ أبدًا من الَّذين يضعون حياتهم وكُلَّ أحلامهم تحت تصرف أناس آخرين.. أنتَ المتحكم الوحيد بمجريات حياتك، لا تسمح لأحَدٍ بأن يمليَ عليك أيَّ شيء أو أيَّ تصرف، أنتَ اِخْتَر ما يناسبك وما تراه يتماشى مع أخلاقك ومع قِيَمك ومع مبادئك.. الموضوع ليس بالمستحيل أن تكُونَ المتحكم الوحيد بحياتك وبالطريقة الَّتي تريد أن تعيشَها؛ لأنَّ في النهاية أنتَ الكاسب أو الخاسر لا أحَد غيرك.. كيف يُمكِنك أن تقبلَ لأيِّ شخص أن يعلِّمَك الأخلاق أو أن يعلِّمَك الطريقة للعيش القويم.. أنتَ وأنتَ فقط مَن يملك هذا الحقَّ.. كُنْ مَن يملك نَفْسَه، فلا شيء يستحق الحياة إذا خسرتَ هذا الحقَّ.
ما أصعب هذا الشعور أن تعيشَ حياة لا تُشبهك، لا تُعبِّر عن ما هو داخلك، لا تستطيع من خلالها أن تُعبِّرَ عن ما يجول بخاطرك بكُلِّ راحة.. حياة أشْبَه بالسِّجن، لكنَّه سجن وهمي غير حقيقي، سجن يضعك داخله، يتحكم بِك وبأحلامك وبأفكارك وحتَّى بنومك.. هذه أصعب حياة يُمكِن أن تُعاشَ بالنسبة للأحرار.. أحرار النَّفْس وأحرار الفكر، لا يُمكِن لشخص حُر وُلد حُرًّا أن يقبلَ بأن يوضعَ داخل سجن محاط بكُلِّ القِيَم والأفكار والصِّفات الَّتي يَجِبُ أن يملكَها دُونَ أن يكُونَ له اختيار أو تأثير عليها، فهي كالثَّوابت داخل هذا السِّجن. يكاد يكُونُ هذا السِّجن الوهمي أصعب بمراحل من السِّجن الحقيقي بالنسبة للإنسان الحُر؛ لأنَّه سجن أبدي عكس الحقيقي مؤقت.. فهو سجن أبدي يضعك داخله من ولادتك حتَّى مماتك.. لا تملك نَفْسك أبدًا طالما حييت، إنَّ هذا كابوس غير منتهٍ لكُلِّ الأحرار الَّذين يعيشون داخل هكذا مُجتمعات أقلّ ما يُقال عنها إنَّها لا إنسانيَّة.
وفي الختام، أقول لك: يَجِبُ عليك أن تملكَ نَفْسك، وتتحكمَ بحياتك وبكُلِّ تفاصيلها.. لا ترضَ بالقليل أبدًا.. كُنْ دائمًا المسيطر الوحيد على حياتك.. أسعِد نَفْسك بِنَفْسك، ولا تربط حياتك بأحَدٍ.. فحياتك ملكك وحدك فقط.
محمد الكندي
كاتب عماني