لا أريد أن أنغص على مَن يرون في موجة الاعترافات الدوليَّة بالدولة الفلسطينيَّة انتصارًا كبيرًا، وخطوة مفصليَّة تعيد بعض التوازن إلى مشهد مختل منذ عقود، من حقّ النَّاس أن يفرحوا، ومن حقنا جميعًا أن نتشبث بأيِّ بصيص ضوء وسط هذا الظلام الكثيف. لكن الحقيقة أنَّ ما نراه اليوم اعتراف منقوص واعتذار غير مقبول، فهذه العواصم الَّتي تتسابق في بياناتها الرنانة هي ذاتها الَّتي صوتت على قرار التقسيم قبل أكثر من سبعين عامًا، وتركت الفلسطيني يواجه مصيره وحيدًا، ثم وقفت متفرجة على مجازر دير ياسين وقبية وصبرا وشاتيلا ومئات القرى الَّتي مسحت من الخريطة، قبل أن تنتقل من موقع المتفرج إلى موقع الشريك حين زوَّدت الاحتلال بالسلاح والمال والغطاء السياسي، نهر الدم الفلسطيني ما زال يجري تحت رعايتها، وميزانيَّات الجيوش الَّتي تفتك بغزَّة ما كانت لتستمر لولا مصانع الغرب وبنوك الغرب وحماية الغرب في مجلس الأمن، لندن الَّتي أطلقت الوعد المشؤوم تحاول اليوم أن تبرئ نفسها بإعلان اعتراف متأخر، وكأنَّ قرنًا من المعاناة يُمكِن أن يُمحى بجملة دبلوماسيَّة مكتوبة بعناية للعناوين الرئيسيَّة.. بالنسبة لي ولا أفرض على أحد وجهة نظري، تلك الخطوة ليست سوى محاولة لغسل ضمير عالمي مثقل بجرائم موثقة، وورقة تبرئة تستعمل عند الحاجة، لذلك لا أستطيع أن أستقبلها ببراءة.
خبرتنا الطويلة مع هذا النظام الدولي تجعلنا نقرأ هذه الاعترافات كعناوين مثيرة لا تتحول إلى سيادة حقيقيَّة على الأرض، فمنذ قرار التقسيم مرورًا بأوسلو، تكررت الوعود بالسلام والحقوق، لكنَّ الاستيطان تضاعف، والجدار ارتفع، والقدس عُزلت، واللاجئون بقوا في مخيَّماتهم بانتظار تنفيذ قرارات لم يجرؤ أحد على فرضها. فالعالم الَّذي يصفق اليوم هو ذاته الَّذي ترك الانتفاضة تسحق تحت الدبابات، وترك غزَّة تنزف سبعة عشر عامًا من الحصار، ثم يخرج ببيانات القلق وكأنَّها كفيلة بوقف آلة القتل، إنَّه اعتراف بلا آليَّات عقاب ولا عقوبات اقتصاديَّة ولا حظر سلاح، لذا سيظلُّ أقرب بالنسبة لي إلى حيلة سياسيَّة لامتصاص غضب الشارع الغربي أكثر منه التزامًا بفرض حل الدولتين على قوَّة الاحتلال. وأعود وأكرر أنَّ وجهة نظري تلك لا تمثِّل أيَّ إضافة ولا تهدف إلى كسر انتصار بطولي يحاول بعضنا اصطناعه، لكنَّ هذه الاعترافات لم ولن تغيِّر من قناعتي الشخصيَّة أنَّ واقعنا المرير لا يتبدل بالتصريحات، فما بالك بالواقع الفلسطيني الَّذي ما زال يتساقط فيه الشهداء تحت القصف وتدفن أحلامه مع كُلِّ بيت يُهدم وكُلِّ طفل يُقتل.
إنّ الموقف بعد موجة الاعترافات بات أكثر مرارة، صحيح أنَّها جاءت بضغط شَعبي غربي غيَّرت صوَر رفح وخان يونس ووجوه أطفال غزَّة قناعاته، لكنَّ المرارة مضاعفة لأنَّها ستفضح العجز الدولي وقلة الحيلة عند أول اختبار، وستكشف النفاق وازدواج المعايير حين يواجه العالم الفيتو الأميركي أو تصعيدًا ميدانيًّا جديدًا، وستضعنا أمام حقيقة أنَّ النظام الدولي لا ينحاز للحق بقدر ما يحافظ على موازين القوَّة. أمَّا عربيًّا، فالمأساة أشد حين يواصل بعضنا التغني بشعارات سلام براقة في الوقت الَّذي يعلن فيه نتنياهو جهارًا حلمه بمدِّ ظل كيانه من النِّيل إلى الفرات، لِيُعيد الصراع إلى جوهره الحقيقي، كصراع وجود لا صراع حدود، هنا يصبح أيُّ تردد في الموقف كارثة، وتصبح الحاجة لموقف عربي موحَّد، يتجاوز بيانات الشجب والابتسامات الدبلوماسيَّة، ضرورة وجوديَّة لا خيارًا سياسيًّا، وأعتقد أنَّ الأوان قد آن لأن يدفع حماة الكيان فاتورة ما قدَّموه من دعم ومساندة لدولة الاحتلال المجرمة، وأن يواجهوا حظرًا اقتصاديًّا وسياسيًّا، وأن نكف عن بسط السجادة الحمراء لقادتهم الَّذين تتلطخ أيديهم بدماء الأبرياء، سجادة تُشبه لون الدم الذكي الَّذي يُراق يوميًّا في غزَّة والضفَّة.
لم يَعُدْ كافيًا أن ننتظر ما ستقرره العواصم الغربيَّة أو نكتفي بالتصفيق كُلَّما صدرت بيانات جديدة، المطلوب اليوم أن ننتقل من موقع المتلقي إلى صانع المبادرة، وأن نخلق ميزان قوَّة يفرض العدالة على الطاولة الدوليَّة بدل انتظارها، هذا يعني خطوات عمليَّة تبدأ بمقاطعة اقتصاديَّة جادَّة لكُلِّ ما يدعم آلة الاحتلال، وحظر أيِّ تعاون عسكري أو أمني مع الدول الَّتي تمدُّه بالسلاح، وربط الاتفاقيَّات التجاريَّة بعقوبات على الاستيطان، ووقف استضافة قادة الكيان في المحافل الإقليميَّة وكأنَّهم شركاء سلام، وهنا يصبح لزامًا علينا أن نعظم الاستفادة من مواقف الشعوب الَّتي رأت الإجرام على الهواء وتعاطفت مع قضيَّتنا بصدق، بتحويل تعاطفهم إلى ضغط على حكوماتهم، وإشراكهم في حملات المقاطعة وكشف زيف الرواية الصهيونيَّة في الإعلام الغربي. وأعود وأكرر، كما أكدتُ في مقالتي السابقة، أنَّ ما أطرحه هنا ليس رومانسيَّة سياسيَّة أو حلمًا بعيدًا، لكنَّه واقع تفرضه معركة البقاء، فـ»السوشيال ميديا» جعلت خيارنا كشعوب واضحًا وحددت لنا دَوْرًا مباشرًا في فضح الزيف الصهيوني وتعريته أمام العالم، وهذا السلاح الشَّعبي لا يقل أثرًا عن أيِّ ورقة سياسيَّة أو دبلوماسيَّة إذا أُحسن استخدامه، فالاعترافات وحدها لا تصنع دولة، لكنَّها قد تكُونُ لحظة كسر للجمود إذا رافقها فعل شَعبي منظم يرفع كلفة الاحتلال ويجعل استمرار دعمه عبئًا على حلفائه قبل أن يكُونَ عبئًا على ضحاياه.
إبراهيم بدوي