في الثالث عشر من شهر إبريل عام 1740، كانت نيويورك على موعدٍ غير عادي، وحدثٍ يحصلُ لأول مرةٍ ليس في تاريخها بل في تاريخ ما يُسمّى بالعالم الجديد (الولايات المتحدة الأميركية)، حيث رست سفينة غريبة وألقت أشرعتها في مينائها، حَوّلت السفينة الغريبة ذلك الصباح الجميل المُحمّل بنسائم البحر والأمواج الهادئة إلى كُتلةٍ كبرى من الأسئلة عن السفينة ومن بداخلها، قَطَعَ فضولهم شيخٌ عربي خرج من السفينة قائلاً بلغةٍ إنجليزيةٍ رصينة : أنا أحمد بن النعمان الكعبي موفد السيد سعيد بن سلطان سلطان عُمان وزنجبار إلى فخامة الرئيس الأميركي .
سبعة وثمانون يوماً هي مدة إبحار السفينة من زنجبار إلى نيويورك قَطَعَت خلالها 21 يوماً بلا توقف تقريباً، كانت الرحلة شاقة جداً، حيثُ شقت السفينة طريقها وسط الأمواج العاتية كالجبال، لتستريح منها وتُفاجأ بأعاصيرٍ عدة، (رحلة من المجهول إلى المجهول) (من أدغال أفريقيا إلى مجهولٍ آخر)، هكذا وصفها الباحث هرمان فريدريك إيلتس في كتابه الجميل (سلطانة في نيويورك) الصادرعام 1960، كان البحارة مرهقين تماماً جراء تعّرُض السفينة إلى الأهوال الشديدة في البحار والمحيطات التي عبرتها، أرَخت أشرعتها المتشققة، فيما بقي العلم القرمزي يرفرفُ وكأنه يحيي ويُسلِّم على آلاف المتجمعين على رصيف الميناء، خَرَجَ العمانيون والأفارقة من السفينة بسُحنٍ أرهقتها أيام الرحلة الطويلة والشاقة، غرباء اليد والوجه واللسان على وصف المتنبي، لكنهم ليسوا في شِعبَ ( بوّان ) بل في نيويورك، كانوا غير مصدقين أنهم قد وصلوا ، إنهم الآن في بطن أميركا وليس في بطون الأسماك والحيتان، لقد ولدوا مرتين، مرة عندما خرجوا من أرحام أمهاتهم إلى الحياة ومرة أخرى عندما خرجوا من السفينة إلى نيويورك . وصلت السفينة التي صُنعت في الهند وأطلق عليها (سُلطانة)، الاسمُ لم يأت صُدفةً أو اعتباطاً، (سُلطانة) كي تكون سلطانةً في وعلى البحار والمحيطات.
من أفضل ما كُتب عن رحلة السفينة سلطانة هو كتاب (سلطانة في نيويورك) لمؤلفه هيرمان فريدريك ايليتس الذي كان يعمل سفيراً للولايات المتحدة الأميركية في القاهرة، ترجمه محمد أمين عبدالله والذي قرأته في المكتبة الإسلامية في روي، تم نشره بداية ستينيات القرن الماضي، يُوضّح الكتاب أن خبر وصول السفينة العمانية سلطانة تصدّر وطغى على أخبار الانتخابات الأميركية التي كانت تُجرى في نفس توقيت تواجد السفينة، وأيضاً استقبال الرئيس الأميركي (مارتن فان بيورن) لمبعوث السيد سعيد بن سلطان أحمد بن النعمان الكعبي وتسلُّمه رسالة من السيد سعيد بن سلطان، كان هذا اللقاء هو أول اتصال عربي مُباشر مع حكومة الولايات المتحدة الأميركية عن طريق السفير الكعبي أول سفير عربي وإن لم يقدم أوراق اعتماده، مما يكشفه الكتاب أيضاً هروب عدد من البحارة الأفارقة من السفينة وانضمامهم الى حركات التحرر، حيث كان الأميركان من أصلٍ أفريقي يناضلون من أجل إلغاء العبودية، هذه النقطة تحديداً أعطتني جواباً لماذا توجد عدة جزر في أميركا باسم زنجبار إلى الآن، ربما أطلق الأفارقة الزنجباريون الذين شاركوا في حركات التحرر، ومن بعد عاشوا في أميركا اسم زنجبار على بعض الجزر تيمناً بوطنهم الأم زنجبار، لا تعرف نهاية السفينة سلطانة، ولكنها خرجت من الخدمة ضمن الأسطول العماني بعد وفاة السيد سعيد بن سلطان بفترةٍ قصيرة وكأنها أبَت الخدمة حُزناً ووفاءٍ له .
لديّ سؤال، لم لا يُصنع فيلم سينمائي عن رحلة السفينة سلطانة ؟؟!!، فيلم سينمائي حقيقي بعيداً عن الادعاءات السينمائية والمدُعّين للسينما، فيلمٌ كهذا لن يكونُ عن السفينةُ سلطانة فقط بل سيكون عن سلطنة عُمان في حُقبة تاريخية مهمة لها وللدول العربية ودول العالم المختلفة، حيثُ سلطنة عمان تعيش في فترة أقل ما يُقال عنها إنها ذهبية، يطلبُ ودها إمبراطوريات العالم أجمع ويتراقصٌ مُلكها مع أمواج البحار بين سلطنة عُمان الأم وشرق أفريقيا، ولها تواجدٌ عسكري وتجاري في أكثر من عشر دول في قارتي آسيا وأفريقيا.
ناصر المنجي