هذه المرَّة الثالثة التي أزور فيها جنوب الهند منذ 2015م وحتى الآن، وهذه المرَّة كنت محظوظًا بزيارة مدينة (كوتشين) عاصمة ولاية كيرلا في جنوب الهند، وتُعرف أيضًا باسم (كوتايام) وتُعَد واحدة من المُدُن الكبرى في الهند، وتشتهر (كوتشين) بتاريخها الغني والتراث الثقافي الفريد، وهي واحدة من الوجهات السياحية المهِمة في المنطقة، المدينة الخضراء الجميلة التي تتميز بساحاتها الخضراء وبجامعاتها وكلِّياتها ومراكزها البحثية والمستشفيات وبسكة حديد متقدمة تربط جميع أحياء المدينة، وتتميز بمطارها الأنيق والنظيف، وأهم ما يميز الهند عمومًا والولايات الجنوبية تحديدًا هو التعايش الثقافي السلمي الرائع، فقد أتاحت لي رياضة المشي اليومي أن أطوف بأحياء شَعبية عديدة تتزامن أحيانًا مع توقيت أذان صلاة المغرب، وندخل أنا وابني خالد لتأدية الصلاة وفي جميع المساجد التي صلينا فيها كنَّا نلاحظ بإعجاب أناقة ونظافة المساجد ومرافقها وسَمْت المترددين عليها الذي يتجلى في سلوكهم وتعاملهم.
وفي إحدى المرَّات، استوقفنا رجُل في الأربعينيات من العمر، وسلَّم علينا بحفاوة وأخبرنا أنه كان يعمل في إحدى شركات النفط في سلطنة عُمان وأنه كان يتنقل بين فهود وعبري ومُدُن عُمانية أخرى وعبَّر لنَا عن انطباعه الرائع عن عُمان وشَعبها، ثم اصطحبنا بإصرار مبالغ فيه إلى مطعمه الصغير الذي يحتلُّ ملحقًا من ناحية من المسجد، وكان في المطعم الصغير عاملان، أحدهما مسيحي يتدلى صليب من عنقه والآخر هندوسي، يعملان معه في المطعم، وقد أعجبني هذا الوعي العملاق لعظمة الإسلام ولفَهْمِ هذا الشَّاب لِتسامحِ دينه ورحمته واتساع أفق المُسلِم الواعي باعتباره رحمة للعالمين، وسألته هل هذا التجانس شائع هنا؟ فأجاب: طبعًا! نحن في هذا الحي الذي أنت فيه يتعايش المُسلِمون واليهود والهندوس والنصارى ومِلَل أخرى، جنبًا إلى جنب، وكلُّ واحد منَّا يحترم خصوصية الآخر، ويساعده ويستفيد منه. ما أعظم هذا الفَهْمَ للدِّين، فالدِّين رحمة، وأصْلُ الديانات كلها إسلام واحد لله كما يقول الشهرستاني في كتابه (المِلَل والنِّحَل)، ومن يتعصب لدِين أو مذهب ففهْمُه قاصر جدًّا، وينبغي أن يُعادَ تدريسه لفَهْمِ الدِّين، فليس لأيِّ إنسان مبرر أن يكره مخلوقًا أو يُعتدى عليه أو يُتنمر عليه أو يقتله أو يهجره من أرضه تحت مبرر الدِّين، فالدِّين ليس مصدرًا للكراهية، بل هو مظلة روحية وأخلاقية للإنسانية والتسامح والتراحم والتعايش، قدَّمَ إلينا الشابَّان شاي (مسالا) بالحليب الطازج وأمضينا بعض الوقت الممتع برفقة هؤلاء الشباب، ثم خرجنا من عندهم بانطباع أنَّ الدِّين لله، وأنَّ من فهم الدِّين فهو كالنحلة التي تجمع العسل تضع جناحَيها على الأزهار لتمتصَّ الرحيق وتتوقفَ عن الطنين، واللسع والأذى، وكذلك كلُّ مَن يجرِّب الاتصال بالله على أية ملَّة ينبغي أن يسْلمَ البَشَر من شرِّه ومن بطشه، وإلَّا فإنَّه يصير معاديًا للدِّين وإرهابيًّا مهما كانت مِلَّته ومهما بالغ في المظاهر الخارجية للدِّين.
ما يلْفِتُ نظري دائمًا في جميع زياراتي إلى الهند وخصوصًا في زيارتي الأخيرة جودة الخدمات الصحية التي توفِّرها السياحة العلاجية في الهند وخصوصًا في (كوتشين)، فالمستشفيات تخضع لمعايير جودة عالية ويعمل فيها كوادر صحيون يحملون أعلى الدرجات العلمية، ويأتي إليهم المسترشدون والمتعالجون من جميع أنحاء العالم، يتلقون الناس بالسماحة والتواضع وتقديم الخدمات بمعايير جودة راقية جدًّا، وهذا ما يثلج الصدر ويعطينا نحن العُمانيين مزيدًا من فرص الاستفادة من هذه التجربة الحضارية العريقة من شَعب لا يزال يتزعم العالم في الرياضيات والتكنولوجيا والفلسفة والطِّب، فَهُم من علَّموا العالَم أُسُس الرياضيات والفيزياء والطِّب وفاقوا الإغريق.. وغيرهم في ذلك.
ومهما أطنبت في وصف محاسن الهند، يبقى للمرأة الهندية السَّبق كأفضل أُمٍّ تلد العلماء وتربِّيهم في ظروف صحية واقتصادية تكون في بعض الأحيان صعبة جدًّا، ولكنها تصدر إلى العالَم علماء في التكنولوجيا والهندسة والطِّب، كنتُ ألاحظ هذه المرأة الهندية الجنوبية التي تلْفِتُ نظري ليس بمفاتنها ومكياجها، ولكن تلْفِتُ نظري بعلامات المشقَّة البادية عليها بعد ساعات من العمل والكدح دون أن تنسى نصيب أُسرتها من العناية ببيتها وزوجها وأبنائها؛ ما يتيح لها أن تخرجَ إلى العالَم جيوشًا من العلماء والفنِّيين والعمالة الماهرة، شكرًا للهند.
د. أحمد بن علي المعشني
رئيس أكاديمية النجاح للتنمية البشرية