يجتمع قادة الدول العربيَّة والإسلاميَّة في قمَّة استثنائيَّة بالدوحة لمناقشة مشروع مواجهة التمادي الصهيوني على الدول العربيَّة والإسلاميَّة، واستمرار نهج العدوان والانفلات الصهيوني المتجرِّد من كُلِّ الأعراف والقوانين الدوليَّة والمبادئ الإنسانيَّة مع استمرار العربدة الهمجيَّة في قِطاع غزَّة، ولمناقشة الهجوم الإرهابي الغادر والجبان الَّذي نفَّذه الكيان الصهيوني ضد دولة قطر الشقيقة مستهدفًا قيادة حماس الَّتي تزمع مناقشة المقترح الأميركي لاتفاق وقف إطلاق النار، ووقف العدوان البربري على قِطاع غزَّة، ولكن هذا الكيان المارق ـ للأسف ـ لا تردعه أيُّ قِيَم أو أخلاق ولا يعرف معنى السلام والكيان الصهيوني لا يوجد له خريطة أو حدود معيَّنة؛ لأنَّه كيان احتلال توسعي، كما أنَّ الصراع معه أصلًا صراع وجود لا صراع حدود، وسيظلُّ هكذا مرفوضًا منبوذًا حتَّى يتحقق الوعد الإلهي بزوال بعون الله.
اليوم دول الخليج والدول العربيَّة والدائرة الإقليميَّة عمومًا ليست في حالة ترف سياسي بروتوكولي في التعامل مع النظام العالمي، فمن الحماقة الاعتقاد أنَّ الأمم المتحدة ومجلس الأمن سوف يوفران الحماية لسيادة الدول أمام الهمجيَّة الصهيونيَّة عندما يقرِّر الكيان المارق استهداف أيِّ دولة عربيَّة أو أيِّ دولة في العالم. فهذا المُجرِم الصهيوني لا يحتاج إلى مبرِّرات لضربِ أيِّ عاصمة عربيَّة أو إقليميَّة. في السابق كان الحليف الدولي يكتفي بضمان مصالحه مع ضمان توافر الأمن لهذه المنطقة، وخصوصًا الخليجيَّة. اليوم الوضع مختلف، فنحن أمام حالة أمنيَّة متقلبة وعاصفة تَمسُّ الأمن القومي الخليجي والعربي، وتَمسُّ الإقليم والدول الإسلاميَّة ودول العالم أجمع أمام هذا الواقع الدولي؛ باعتبار أنَّ الحالة المتجدِّدة في النظام العالمي أفرزت انفلاتًا صهيونيًّا متجردًا من جميع القوانين والمبادئ الإنسانيَّة، والتمادي الصهيوني لا حدود له، بل إنَّ الفارق اليوم أصبح مع ضوء أخضر أميركي وعدم وجود أيِّ نظام دولي رادع لهذا الطاغوت الصهيوني المُجرِم. وقد أعلنَها أمس مندوب الصهاينة في مجلس الأمن أنَّ الضربة على قطر ستتكرر وقد تصل إلى مصر أو إيران أو أيِّ دولة في العالم، وبالتَّالي فقد أصبحت جميع دول المنطقة أمام حالة أمنيَّة مهدّدة، بل إنَّ الأمن القومي عمومًا مستهدف الآن.
المفارقة في الوضع العربي أنَّه أمام هذا الواقع العربي المأزوم ما زال النظام الرسمي يفكر بنمط العقود الخمسة الماضية منذ آخر صراع عربي مع العدوِّ الصهيوني، فلا يزال التنسيق العربي والتعامل الاقتصادي والأمني مع هذا الكيان من قبل بعض الدول مستمرًّا، فلم يَعُدِ العدوُّ في حالة عزلة، والأغرب أنَّ العدوَّ ما زال يتبجح بأنَّ ذراعه العسكريَّة قد تطول أيَّ دولة عربيَّة، ويتبجح قادته بكُلِّ وقاحة ضد القيادات العربيَّة بألفاظ سوقيَّة وأوصاف بذيئة لا تليق بالأعراف الرسميَّة المتعارف عليها.
المفارقة الكبرى أنَّ الكيان الصهيوني المُجرِم ـ في ظلِّ هذا الوضع على جبهات الجغرافيا العربيَّة ـ ما زال يتخبط في مستنقع غزَّة في دائرة جغرافيَّة لا تتجاوز (٣٦٥ كم) مساحة؟! ورغم ذلك هو غير قادر على تحقيق هدف واحد في هذا العدوان المعلن سوى استهداف الأبرياء والمدنيين العزَّل عن سبق إصرار وتعمُّد طبعًا في جريمة حرب ضد الإنسانيَّة. فهذا الكيان الإرهابي لم ولن يرتدع بأيِّ قوانين أو مبادئ إنسانيَّة أو نظام دولي أو مُجتمع دولي ثائر وهذا كُلُّه بسبب غياب الإرادة العربيَّة والدوليَّة في التصدي لهذا الإرهاب الصهيوني.
اليوم نحن بحاجة إلى موقف عربي إسلامي استثنائي تُعزِّزه إرادة حقيقيَّة جماعيَّة أو شِبه جماعيَّة لإيقاف هذا التغول والهمجيَّة الصهيونيَّة.
هناك العديد من أوراق القوَّة لدى المجموعة العربيَّة والدول الإسلاميَّة، وإن لم تستخدم هذه الأوراق اليوم فإنَّ حبل الإرهاب الصهيوني على الجرار، وسوف يلتف على عُنق السيادة الوطنيَّة للدول العربيَّة، فهذا المُجرِم الصهيوني يستغل حالة غيبوبة عربيَّة نتمنى أن يستفيق منها النظام الرسمي العربي ومجموعة الدول الإسلاميَّة الَّتي تعَدُّ النطاق الأوسع المعني بالقضيَّة الفلسطينيَّة، فلا بُدَّ أوَّلًا من قطع العلاقات مع الكيان المارق وطرد سفراء وكر التجسُّس الصهاينة، وإلغاء الاتفاقيات مع العدوِّ، ولا بُدَّ من تفعيل اتفاقيَّة الدفاع العربي المشترك. وهناك ورقة واحدة لم تستخدم بعد ولا أعلم لماذا حتَّى الآن؟ هذه الورقة مهمَّشة وهي إعلان موقف عربي إسلامي جماعي بفتح باب التطوع للشعوب العربيَّة والإسلاميَّة، ومَن يرغب بالتطوع من دول العالم للدفاع عن شرف وكرامة الإنسانيَّة فوالله إنَّه لشرَف عظيم مواجهة هذا الطاغوت المُجرِم الَّذي لم ولن يسلم منه أحد، كما ينبغي لهذه القمَّة العربيَّة الإسلاميَّة الاستثنائيَّة أن توجهَ خطابًا واضحًا في بيانها الختامي للولايات المتحدة (الملتزمة بحماية كيان الاحتلال الصهيوني) بأنَّ مصالحها في الدول العربيَّة والإسلاميَّة قد تتضرر، ومع الوقت قد يتمُّ البحث عن شركاء وحلفاء آخرين طالما أنَّ الولايات المتحدة فشلت في أول تجربة في حماية الدول الحليفة.. وبعد اليوم لا يُمكِن ضمان أن تقف الولايات المتحدة مع أمن الدول الخليجيَّة والعربيَّة الحليفة، وفي نفس الوقت تَغضُّ الطرف عن المساس بالسيادة الوطنيَّة لهذه الدول باعتبار أنَّ العدوان والتهديد جاء من قِبل الحليف الصهيوني، ولكن كُلّ هذه الأوراق ـ إضافة إلى النفط والغاز والمنافذ الملاحيَّة الَّتي تشرف عليها الدول العربيَّة والإسلاميَّة ـ قد تطرح في أيِّ حسابات سياسيَّة دوليَّة، ولن يقف العرب والدول الإسلاميَّة مكتوفي الأيدي أمام التغول الصهيوني والجرائم الَّتي تجاوزت كُلَّ الحدود وجاوزت المدى، لذا يَجِبُ أن تستفيق الإرادة العربيَّة والدول الإقليميَّة المهدَّدة، ومنها إيران وتركيا وباكستان. وما يحدث اليوم من تقلُّبات عالميَّة في هذا المفصل التاريخي تستدعي وقفة تاريخيَّة وإلَّا فإنَّ أيَّ تسوية سياسيَّة لهذا التهديد سوف يفسح المجال مستقبلًا لمخطَّطات تُقدِّم العرب جميعًا والدول الإقليميَّة الوازنة على مذبح الصهيونيَّة الإرهابي، ولن ينجو أحَد طالما وُجد هذا الكيان الصهيوني المارق.
خميس بن عبيد القطيطي