الجمعة 22 مايو 2026 م - 5 ذو الحجة 1447 هـ
أخبار عاجلة

مرآة عجز العالم أمام فلسطين

مرآة عجز العالم أمام فلسطين
الثلاثاء - 09 سبتمبر 2025 01:21 م

إبراهيم بدوي

20

لقد عرَّت القضيَّة الفلسطينيَّة تلك المؤسَّسات الدوليَّة، وعلى رأسها الجمعيَّة العامَّة للأمم المتحدة التي تنعقد الآن، فأظهرتها كجسدٍ هشٍّ لا يملك القدرة على الفعل، وتحوَّلت إلى منبر للخطابات التي يحاول أصحابها غسل أيديهم من الدم الفلسطيني بكلمات منمَّقة، أو عبارات شجب باردة. والمفارقة أنَّ المُجرِم نفسه يمنح حقّ الكلمة، يقف تحت أضواء القاعة ليبرِّر جرائمه، فيما يتسابق داعموه إلى تبرير القتل وتشويه صورة الضحايا، وأقصى ما يلوِّح به بعضهم هو التذكير باعترافات سابقة قامت بها دول منفردة بدولة فلسطين أو اعترافات لاحقة، وكأنَّ هذا الاعتراف الرمزي هو غاية عطائهم، بَيْنَما لا يغير شيئًا في الواقع ولا يوقف جرافة، ولا يحمي طفلًا من الرصاص. وأنا كُلَّما تابعتُ هذا المشهد شعرتُ أنَّ المسرح الأُممي لم يَعُدْ أكثر من قاعة لتبادل الأدوار، حيثُ يتحدث الجلَّاد ويُسكت صوت الضحيَّة، وتُرفع شعارات العدالة لتغطية أكبر خديعة سياسيَّة في العصر الحديث، خديعة اسمها القانون الدولي. في كُلِّ دورة جديدة، يتباهى بعض القادة بما قامت به دولهم من اعترافات سابقة بدولة فلسطين، وكأنَّ هذا الاعتراف الرمزي هو قمَّة ما يستطيعون تقديمه لشَعب يُذبح يوميًّا، يسمعون التصفيق يتعالى في القاعة، بَيْنَما الجرافات تهدم البيوت في الضفَّة، والطائرات تقصف غزَّة، والبحر يحاصر صياديها حتَّى الموت، أيّ اعتراف هذا الذي لا يمنح الفلسطيني حقَّه في العودة إلى أرضه، ولا يوقِف جنديًّا عن إطلاق النار على طفل، ولا يردُّ جثمان شهيد محتجز؟ كما أنَّها فرصة للخُطب العنتريَّة التي يُتقنها بعض العرب، يرفعون أصواتهم دفاعًا عن فلسطين على المنابر، ثم يجلسون في الغرف المغلقة إلى جوار ممثِّلي الكيان الصهيوني يبحثون خطط التعاون المستقبليَّة. والحقيقة أنَّ تلك اللقاءات السريَّة لا تحمل سوى محاولة بائسة لحفظ ماء الوجه، إذ يجمعون بَيْنَ الادعاء العلني بالدفاع عن فلسطين وبَيْنَ المشاركة في التطبيع العملي مع قاتلها، مشهد يكشف أنَّ التواطؤ لم يَعُدْ غربيًّا فقط، وإنَّما عربيًّا أيضًا. وكُلَّما تابعتُ هذا المشهد، يزداد يقيني أنَّ الشعوب أكثر صدقًا من كُلِّ هذه المنابر، فالشعوب قليلة الحيلة التي تخرج في الشوارع لترفعَ عَلَم فلسطين، وتقاطِع منتجات الاحتلال، وتحوِّل وسائل التواصل إلى منصَّة فضحٍ وكشفٍ، هي التي تحفظ القضيَّة حيَّة، بَيْنَما القاعات الرسميَّة تحوِّلها إلى مادة استعراض سياسي. كم مرَّة رأينا الملايين يخرجون يهتفون لفلسطين، فيما يتبادل المندوبون في الأُمم المتحدة كلمات فارغة ليس لها قِيمة أو ثقل، ولا تمتلك قدرة على تغيير المعادلة؟ فالفارق بَيْنَ الخِطاب الشَّعبي والخِطاب الرَّسمي، أنَّ الأول ينبع من قلب يعرف معنى الظلم في وطنه ويستشعر به من الآخرين، والثاني يُصاغ بعبارات مدروسة لإرضاء مصالح وحسابات! أنا حين أرى طفلًا في أوروبا أو أميركا يرسم عَلَم فلسطين على كرَّاسته أشعُر أنَّ ذلك أصدَق من مئة خِطاب أُلقي في قاعة الأُمم المتحدة. إنَّ المعركة الحقيقيَّة لم تَعُدْ في مقاعد المنظمات الدوليَّة، وإنَّما في ضمائر الناس الذين يرفضون الكذب، وفي قدرتهم على تحويل التضامن إلى فعل يربك القاتل، ويعطي الضحيَّة ما يستحقُّه من حضور. إنَّ ما يجري في الجمعيَّة العامَّة للأُمم المتحدة ليس أكثر من عرض سنوي يُعِيد إنتاج العجز ذاته، ويكشف أنَّ القانون الدولي بلا قوة هو أسطورة يبيعها الكبار للصغار كي يقبلوا بالهزيمة. وحين نرى القاعة تمنح القاتل شرعيَّة الحديث، ثم تترك الفلسطيني يتيه بَيْنَ كلمات تضامن جوفاء، أشعر بمرارة لا تُشبه أيَّ شعور آخر، كأنَّ العالم كُلَّه يتفرج على الجريمة ويصفِّق للجاني، ومع ذلك لديَّ إيمان داخلي راسخ بأنَّ الفلسطيني الذي اغتيل جهارًا نهارًا بشجاعة، لن ينتظر ولم ينتظر يومًا قرارًا دوليًّا، أو أيَّ خطبة رنَّانة يدرك صاحبها أنَّه يكذب قَبل أن يعرف الجميع ذلك، فقوَّة الحقِّ هنا في عين طفل يرفع حجره وسط الركام، في يد أُمٍّ تُعِيد بناء بيتها كُلَّ مرَّة، في شيخ يرفض مغادرة أرضه رغم الحصار والجوع، ما يؤكد على حقيقة واحدة هي أنَّ الفلسطيني لا يحتاج لاعترافاتهم بدولته. فالصمود نفسه هو الدولة، وأنَّ البقاء فوق الأرض هو الاعتراف الحقيقي، وأنَّ الاحتلال يخشى هذه الحقيقة أكثر مما يخشى من أيِّ محكمة أو مؤسَّسة أُمميَّة، أو يخشى من أيِّ قرار دولي أو أيِّ خطبة رنَّانة يدرك صاحبها أنَّه يكذب قَبل أن يُدرك الجميع ذلك.

إبراهيم بدوي

[email protected]