هذا النهر يجري لكن لون مائه أحمر قاني تخالطه زرقة دموع اليتامى مع دموع التماسيح الحقيرة وهي تتباكى كذباً على حرب الإبادة الجماعية وهي المشاركة والمُخطِطّةُ لها، خريره صراخٌ ونواح، ضفافه سوداء تتوزع عليها الجماجم والهياكل العظمية والجثث المتحللة، تتراقصُ عليه بيانات الشجب والإدانة، تُبحرُ فيه قوارب حاملةً جنودٍ مدججين بالرشاشات باحثين فيه عن طفلٍ بريء ربما ما زال حياً كي يُقتل، أو أرملةً لتُذبح كي لا يزعجهم نواحها، مُلقين السلام والقُبلات في الهواء رافعين قُبّاعتهم لجموع العالم المتفرجين على النهر وهو يجري .
منذ ما يقارب الثمانين عاما يشق نهر الأرواح الفلسطيني مجراه دون أن تتناقص مياهه، إنها تزيد يوماً بعد يوم، منذ ما يقارب العامين أصبحت تزيد ساعة بعد ساعة، أحياناً دقيقةً بعد دقيقة ، يشقُ مجراه وسط العجز والخذلان، يُقال إن المسئولين عن نهر الأرواح الفلسطيني حالياً ثلاثة ُأشخاص هم بنيامين نتنياهو، بن جفير ، بسلئيل سموتريش، وهذا ليس صحيحاً فمن يتّم طفلاً وقَتَلَ شيخاً وعذّب رجلاً هو نسخة من الثلاثة جميعاً وليس نسخة من شخص واحدٍ منهم يُضاف إليها أشخاصُ آخرون مثل شارون وجولدا مائير وموشي ديان وغيرهم كُثر.
مياه النهر تُعري التربة والصخور والحواف عند جريانها، في نفس الوقت تُعري المواثيق والقوانين والعهود الدولية، التي يبدو أنها أستثنت أبناء غزة وفلسطين، فكيف مقتل أكثر من ستين ألف فلسطيني ومئات الآلاف من الجرحى، وتنفيذ سياسة الأرض المحروقة على أرضٍ يتم حرقها منذ ثمانية عقود، وجعل مدن غزة غير قابلة لحياة الإنسان، هدم دور العبادة ، إبادة القطاع ليس عن بكرة أبيه فحسب بل عن بكرة أقربائه جميعا الأحياء منهم والأموات، دون أن يصدُر قرار إدانةٍ واحد؟؟!!، كل هذا حَدَثَ ويحدث لكن يبدو أنه في مياه نهر الأرواح الفلسطينية أنمحى الحبر عن الأوراق التي كتبت به هذه القوانين والعهود والمواثيق تتبلل تلك الأوراق بيضاءً ناصعة إلى أن يلقيها النهر في مكانٍ بعيد أو تتمزق داخله، يُعري النهر زُعماء الكثير من الدول المُهمّة الذين يعقدون المؤتمرات والاجتماعات من أجل حرب تنشأ في أوروبا فيما عن مأساة المآسي في غزة تأتي تصريحاتهم خجولة جداً كي لا تجرح مشاعر الصهاينة بأن عدد القتلى الفلسطينيين مُبالغٌ فيه بعض الشيء، بينما هم يمدون إسرائيل بأسلحةٍ حتى الفتك لا يجدُ لها نظير، عشرات الآلاف من القتلى وأضعافهم من الجرحى بدون قرارٍ واحد من ما يُسمّى مجلس الأمن الدولي يدعو الصهاينة لوقف حرب الإبادة الجماعية في غزة، ولو أن يكون قرارا شكليا وغير مُلزم .
الأنهارُ تحلمُ بعض الأحايين ، صحيحُ أن نهر الأرواح الفلسطيني يجري ليل نهار ولا ينامُ مطلقاً، لكنه في الليل وسط قصف الطائرات ودوي المدافع وصُراخ الجنود يحلمُ بأن تدخلُ علبةُ دواءٍ ولو فارغة إلى قطاع غزة الذي يسكنه أكثر من مليونين ونصف شخصى هم مشاريع شهداء، أن يُعطى ربع رغيفٍ لمُجوّع غزاوي يسد به ما تبقى من رمق عله يؤخر الموت قليلاً ، يحلمُ النهر بأن يعرفُ نهاية مجراه، هل سيكون حل الدولتين مثلاً ، أم أنه سيظلُ يستمعُ إلى القصص التي تلوكها الألسن حول ضرورة السلام ، ضمان الحقوق، التعايش السلمي ، أو ستكون النهاية هي التهجيرُ القسري، يُصارعُ النهرُ نفسه كي يتوقف عن الحلم فعليه أن يجري ويجري ولا يريد شيئاً يعيقه حتى الأحلام .
يحسُ نهر الأرواح الفلسطيني بأنه يُقدم خدمة جليلة لأبناء غزة ، خدمة عجزت المنظمات الدولية والعربية والإقليمية في القيام بها، هي لمّ شتات الشعب الفلسطيني في غزة ، فمع استمرار حرب الإبادة الجماعية في غزة لعاميين متتاليين تشتت الكثير من أفراد الأسر، فكثير من الأطفال أصبحوا بعيدين عن أمهاتهم وأبائهم، أختلط حبل القطاع بما تبقى من نابله، لكنهم هنا يتجمعون ويلتقون بفضل رصاص الجنود الصهاينة ، تلتقي أرواح الفلسطينيين في النهر، روح الأم معابنها وزوجها وأبيها وأختها، أرواحٌ بريئة تتبادل الأحضان تدمعُ عيونها من فرحة اللقاء ، ويا لجمال دمع الأرواح.
لم يتوقع النهر أن تُخاطبه الأرواح، قالت له : لا تتحدث وتُفكّر كثيراً بنا أيها النهر، امضي بنا سريعاً كي لا نتأخر ، فمهما جريت لكنك ستعودُ بنا إلى فلسطين، منبعُكَ الأول ، وهناك سنُزهر ونكونُ زيتوناً جميلاً وبرتقالاً لذيذاً في البيارات طال الزمن أم قصر، سر بنا سريعاً فقد اشتقنا فلسطين، سر بنا.
ناصر المنجي