لم يعد الحديث عن التنويع الاقتصادي والاستدامة المالية في سلطنة عُمان مجرد شعارات تُطرح في المؤتمرات والمنتديات، بل أصبح واقعًا ملموسًا تدعمه الأرقام والقرارات والسياسات. البيان الأخير الصادر عن وزارة الاقتصاد كشف بوضوح أن السلطنة قطعت شوطًا معتبرًا في مسار بناء اقتصاد متوازن قادر على استيعاب التحديات والتحولات العالمية، وفي الوقت ذاته جاذب للاستثمارات النوعية.
لقد وضعت رؤية عُمان 2040 منذ البداية هدفًا محوريًّا يتمثل في التحرر التدريجي من الاعتماد على النفط كمصدر رئيسي للإيرادات، وتوسيع قاعدة الاقتصاد لتشمل قطاعات واعدة مثل الصناعة واللوجستيات والسياحة والتقنيات المتقدمة. هذا التوجه لم يأتِ ترفًا أو رفاهية، بل ضرورة تفرضها حقائق الاقتصاد العالمي؛ إذ لم تعد الاقتصادات الريعية قادرة على مجاراة التنافسية ما لم تعزز تنوعها وإنتاجيتها.
ما تحقق خلال الأعوام الماضية من خفض الدين العام ورفع التصنيف الائتماني السيادي إلى مستوى الجدارة الاستثمارية يُعد إنجازًا يحمل دلالات عميقة، إذ ينظر المستثمرون العالميون دائمًا إلى مؤشرات الاستقرار المالي باعتبارها معيارًا أساسيًا لتوجيه استثماراتهم.
كذلك، فإن تجاوز المؤشر العام لبورصة مسقط حاجز 5000 نقطة ليس مجرد رقم، بل هو إشارة واضحة إلى رسوخ الثقة في السوق المالية العُمانية، خصوصًا مع الإصلاحات التنظيمية التي عززت عمق السوق وأدخلت أدوات مالية جديدة مثل صانع السوق ومزوّد السيولة.
وفي هذا السياق، يبرز برنامج «استدامة» الذي أطلقته الحكومة ليكون مظلة لدعم سوق رأس المال، وتشجيع إدراج الشركات، وتمكين المؤسسات الصغيرة والمتوسطة. ومن الواضح أن فلسفة البرنامج تتجاوز الجانب المالي إلى بُعد اقتصادي أعمق، يتمثل في إعادة توزيع أدوار النمو بين الحكومة والقطاع الخاص، بحيث يصبح الأخير هو المحرك الأساسي لتوليد الوظائف والابتكار.
ورغم كل هذه المؤشرات الإيجابية، تبقى هناك تحديات تستوجب التفكير الجاد نحوها، أبرزها: تسريع الاستثمار في التقنيات المتقدمة والذكاء الاصطناعي، بما يضمن انتقال الاقتصاد من مرحلة الاعتماد على القطاعات التقليدية إلى اقتصاد قائم على المعرفة والإبداع، وتحفيز المؤسسات العائلية والخاصة على الإدراج في سوق الشركات الواعدة، حتى لا تبقى السوق المالية رهينة عدد محدود من الكيانات الكبيرة، والاستمرار في تمكين ريادة الأعمال وتوسيع الحاضنات في المحافظات، لضمان شمولية التنمية وتوزيع مكاسب النمو.
في ضوء ما تحقق، يمكن القول إن سلطنة عُمان اليوم تقف على عتبة مرحلة جديدة عنوانها الثقة بالاقتصاد والاستثمار. غير أن الرهان الأكبر لا يكمن فقط في تحقيق مؤشرات مالية إيجابية، بل في القدرة على تحويل هذه الإنجازات إلى فرص عمل مستدامة، وبيئة أعمال محفزة، واقتصاد قادر على المنافسة عالميًا.
وهنا يتجلى جوهر رؤية عُمان 2040: تنويع لا ينفصل عن الاستدامة، واستدامة لا تنفصل عن الإنسان الذي هو محور التنمية وغايتها.
محمود بن سعيد العوفي
كاتب صحفي اقتصادي