الخميس 23 يوليو 2026 م - 8 صفر 1448 هـ
أخبار عاجلة

قصة قصيرة : تحت ظل غافة كبيرة

قصة قصيرة : تحت ظل غافة كبيرة
الأربعاء - 03 سبتمبر 2025 02:51 م
20


اليوم جلس بهدوء تحت الغافة الكبيرة خارج بيتهم، مد رجليه المتعبتين، وأسند ظهره إلى جذعها الضخم، وأرسل بصره إلى جميع الموجودات من حوله. شعر بأن التعب المتواصل الذي ألم به عبر جميع تلك السنوات المتطاولة يتزاحم ويتكثف كسحابة رمادية على وشك الهطول. النسمات التي هبت لاحقًا وحركت أوراق الغافة، حركت ما تبقى من شعيرات ظلت راسخة فوق رأسه الممتلئ بكل شيء عدا الشعر. استراحته تلك تشبه استراحة محارب خسر السواد الأعظم من معاركه، ونفدت طاقته ولم يعد قادرًا على مواصلة المسير.

حدّق مرارًا في الوجوه المتعبة التي مرت من أمامه، رفع يديه لرد السلام بتلقائية، وفتح فاه بحركة رتيبة، لم يغير من جلسته رغم الألم الذي بدأ يسري نتيجة احتكاك ظهره بتشققات الجذع، تعود على الألم منذ سنوات كثيرة، الجروح الظاهرة في أنحاء جسده والخدوش الداخلية العميقة تشهد بذلك. مد رجليه بعد إحساسه بتصلبهما حركهما عدة مرات ليزول الخدر الذي سرى فيهما، تنهد بصوت خافت، استرجع السنوات التي مرت بسرعة، معظمها لا يحمل سوى حياة عادية رتيبة احتوت على عمل طويل ونوم وصمت واغتراب وغربة وأرق.

حين بدأت الشعيرات البيضاء بغزو شعره أحس بخوف كبير، وجد أن العمر رحل بسرعة لم يتوقعها، وأن الموت يقترب منه بسرعة، بينما ما زال على حاله يعيش وحيدًا في بيت صغير قديم برفقه والده المسن. الخوف استمر معه لعدة أيام، ومن ثم خبا وهجه وأصبح معتادًا على انتشار البياض فيما تبقى من شعره، خوفه دائمًا يُولد كبيرًا تضطرب معه دقات قلبه، وتتشوش أفكاره، بعدها نهض كأن شيئًا لم يكن، واصل رعاية والده المسن، وحافظ على مشواره اليومي وذهابه إلى عمله، وتناسى حتى انحسار شعره، وتجاهل بداية الصلع الذي ألم بشعره بعد فترة من الزمن. في فترات زمنية سابقة كان يشعر بالأسى من قلة الكلام، كلمات والده المشوشة تزيده احتراقًا، والوحدة التي فرضها على نفسه زادته عزلة ووحدة، بعدها تعود على طعم الصمت الكبير الذي لف شباكه حوله، الكلمات اختفت من لسانه، وأصبحت تسكن ذاكرته الممزوجة بكم كبير من الكلمات التي مات بعضها، وبعضها الآخر كان يتردد دائمًا في دفقات متواصلة حين يجلس صامتًا، أو حين يضع رأسه على الوسادة بعد يوم طويل وشاق من العمل.

الدائرة الضيقة التي حصرها بوجوده ووجود والده كانت تتيح له مسافة أمان عن تطفل الآخرين وثرثرتهم الدائمة، غير أنه اليوم رغب بشدة بوجود يد تمسح على رأسه، وأخرى تربت على كتفه، يحتاج إلى أذن تنصت إلى أحاديثه الكثيرة التي مات بعضها بتقادم الأيام ومرور الزمان، يريد أن يُحرك الجماد الذي هيمن على أركان البيت لسنوات لا يتذكرها لاسيما بعد أن اتخذ والده من الفراش مكانًا أزليًا، تلاشت الأصوات، وأصبح السكون بعد هذا العمر سوطًا قاسيًا يجلده أثناء دخوله وخروجه.

اليوم يتمنى بشدة لو سمع كلمة بابا لو رأى بأم عينيه الفوضى التي ستخلق حياة كاملة في البيت، لو يسمع الصرخات الحادة والعالية التي سترتفع نحو الأفق. تحدثه نفسه هذه الأيام بأشياء كثيرة وصور عديدة دفنها من زمن، وخرجت من قمقمها القديم بكل قوة لتذكره بأيام رحلت على وتيرة واحدة صامتة جامدة بلا حياة، والأدهى من ذلك أنها انتزعت بكل قسوتها معظم سنوات عمره، فانتشر الشيب، وثقلت حركته، وأحس بتراكمات كثيرة تدق رأسه راغبة في الخروج دون أن يتوفر المنفذ المناسب لخروجها.

بدأ ظهره يؤلمه نتيجة استناده الطويل إلى جذع الغافة، وحدها هذه الشجرة ظلت تمثل في نظره وجودًا استثنائيًا، يجلس تحت ظلها حين تضيق به الحياة، ورغم صمتها وصمته غير أنه يشعر براحة كبيرة تجتاحه بعد دقائق حين يسند روحه المتعبة عن كل ما حوله.

في هذه اللحظات اختفت السعادة التي شعر بها في بداية جلوسه، انتابه شعور بالاختناق البطيء، عجز عن الوقوف، كان الدوار الذي ألم به قويًا، لمس جلده المثخن بالجروح، وشعر بالجروح في داخله تكبر دون توقف، ابتلع ريقه عدة مرات، نظر نحو باب منزلهم الصغير، وجده اليوم صغيرًا كسجن انفرادي، سقطت دمعة ساخنة تحمل الكثير، وتلتها دموع كثيرة تدافعت بلا توقف، نهض والوهن صار كفقاعة كبيرة تحبس عنه الهواء والحياة، مسح دموعه وسار بخطوات متعبة فوق التراب.

د.أمل المغيزوية

كاتبة عمانية